الرأي

حتى لا ننسى إدمان مواقع التواصل الاجتماعي

يكتفي علماء الدين، في عمومهم، عندما يخوضون في عالم الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بالقول إنها مجالس إذا صالت وجالت في المحرمات، دخلت في خانة التحريم، وماعدا ذلك لا يمكن تحريمُها.

لكن علماء آخرين فرّقوا بين المجالس العادية والإلكترونية التي حتى وإن تركزت على الدين، فقد تُبعد مدمنيها عن الصواب، فما بالك أن تكون على ما هي عليه حاليا، في غالبيتها ملء للفراغ بالفراغ.

اقتراحُ نائب برلماني في الغرفة السفلى بتنظيم استعمال الهواتف الذكية بالنسبة لمن هم دون سن السادسة عشر، ومنع إدخالها إلى المؤسسات التربوية، هو اجتهادٌ يُثمَّن ويتطلب مزيدا من التقنين لأجل إنقاذ الجيل القادم من “مهلوسات” مواقع التواصل الاجتماعي التي نحتت للبشرية أصناما جديدة، تقدَّم لها القرابين، من الوقت والمال والأعصاب والصحة البدنية والنفسية وأحيانا أهم ما تمتلك الشعوب وهي الأخلاق.

من المؤلم أن يكافئ وليُّ تلميذ، عن حسن نية، ابنه، بمناسبة نجاحه في امتحانات السنة الخامسة ابتدائي أو الرابعة متوسط، بهاتف ذكي، ويمنحه فسحة استعماله في الزمان والمكان الذي يريد وفي المجالات التي يريدها أو تريده، وما أكثرها وما أخطرها، ومن المؤسف أن تجد قرب متوسطات تلاميذَ وتلميذات يقفون على تخوم مؤسساتهم التعليمية، يتبادلون الصور الملتقطة والفيديوهات العابرة للقارات بكثير من الاهتمام الذي يزلزل تركيزهم وينسف مَلَكاتهم العلمية التي ربما كانت قوتهم الأولى.

والحقيقة أن اقتراح النائب البرلماني ليس فلتة فريدة، فقد باشرت بلاد عالمية كثيرة في تطبيق قوانين صارمة تمنع الهواتف المحمولة بكل أشكالها من أن تبقى في أيدي القصّر بعد أن بيَّنت دراساتٌ علمية كثيرة، تراجع الذكاء والاجتهاد، من دون الحديث عن الضياع الأخلاقي الذي دمّر العديد من المجتمعات، بعد أن صار العالم بدمويته وإباحيته وإلحاده وجرائمه مُخزَّنا في محفظة أو جيب أو بين يدي تلميذ بريء مازال القلم مرفوعًا عنه.

في الأمور الأخلاقية أن تركب القطار وهو يسير، خيرٌ من أن لا تركبه إطلاقا، والاهتمامُ بمقترح النائب البرلماني، ووضعه في القالب الصالح للاستعمال في أقرب الآجال يُعدُّ انتصارا على بعض الخلل التربوي والتعليمي الذي كان من أسبابه هذه الهواتف التي دخلت الأسر والبيوت ونامت في الفراش وجالست الأفراد على موائد الطعام ونافستهم في كل زاوية من زوايا البيت.

لا جدال في أن عالم الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي قد قدّم خدمات علمية وتكنولوجية هامة للشعوب وللعلم على وجه الخصوص، وقرّب المسافات واختصر الجهد، لكن ذلك لا يعفي من الحيطة من هذا الإدمان المقيت الذي حوّل ما أسكر كثيره وأفقد التلاميذ عقولهم، قليله أيضا حرام وممنوع في كثير من بلاد العالم، التي ساهمت في هذه الثورة التكنولوجية التي أدخلت العالم بأسره من واقع وخيال، ومن حلو ومرّ إلى عقل الصغير.

مقالات ذات صلة