الرأي

حتى لا نُفكِّر دون المستوى…

محمد سليم قلالة
  • 2929
  • 6

بدل أن يكون محور نقاشاتنا اليوم هو أي البدائل التنموية الأفضل لبلادنا؟ أي تحسين مستمر يمكن أن تعرفه بلدياتنا، مدارسنا، جامعاتنا، مستشفياتنا، طرقنا…؟ أي الأهداف الكبرى سطَّرنا لبلدنا للعقد القادم؟ وهل نطمح إلى الرقي إلى مستوى العشرين الأوائل في العالم أو العشرة ربما… هاهو النقاش ينزل بنا مرة أخرى إلى مستوى مَن يَحكُم هذه البلدية أو تلك؟ من زَوَّر لِمن؟ ومَن دفع أكثر لِمَن؟ ومَن سيعيش على فُتات تنمية تحتضر، وبقايا ثروة بترولية تندثر. إننا بالفعل نفتقد عناصر رؤيةٍ للغد…

إذا لم تُفكِّر كبيرا، ستنزل بالضرورة إلى سفاسف الأمور. إذا لم تكن لديك طموحات كبيرة بالضرورة ستتقلص أهدافك إلى أدنى المستويات… وهذا الذي يحدث لنا اليوم، بدل أن نَضع نَصْبَ أعيننا تَحدّيا كبيرا،كأن نكون ثالث أو رابع دولة في العالم الإسلامي تلتحق بمقدمات التقدم، كماليزيا وتركيا وإندونيسيا، (حتى لا نقيس أنفسنا بالغربيين)… بدل أن نَجعل طموحنا يكبر إلى درجة أن نعمل، ليس فقط لأجل بلوغ هذا المستوى بل أن نتعدّاه أكثر… هانحن ننزل بمستوى نقاشنا السياسي إلى مستوى مَن يتغلب على مَن في “فنجان””معركة” البلديات، كما قُمنا بذات الفعل في “ملاعب””معارك” سابقة على مستوى البرلمان أو حتى على مستوى الحكومة… وفي كل مرة يعتقد فريق أنه انتصرَ، وهو يُطيح بهذا المسؤول أو ذاك، يتربع على هذا “الكرسي” أو ذاك، إن في أدنى أو أعلى المستويات…

ونَتَج عن هذا أن استمرت طموحاتنا في التناقص يوما بعد يوم… إلى حد أن اختزل كل المجهود الوطني في شق طريق أو بناء مساكن للفقراء أو توفير ما يُشبه فرص العمل للشباب من خلال صيغ الإدماج العديدة … لقد أصبح من قَبِيل الحلم غير القابل للتحقق أن يَطرحَ سياسيٌّ طَموحٌ أفكارا كبيرة بحجم بلده. أصبح من مدعاة الغرابة أن يقول ذلك، بل من مدعاة السخرية في الكثير من الأحيان. 

لقد كاد يُصبح من الممنوعات أن تُفكِّر بطموح كبير، عليك أن تنزل بتفكيرك إلى سفاسف الأمور، لكي تُمنَح صفة السياسي الواقعي المقبول ضمن “الجوق”، أما أعلى من ذلك فإنك إما تَسبحُ في الخيال وفي الأحلام أو تؤمن بالمِثاليات… على حد تعبير الكثير من “الواقعيين” “النفعيين”.

وفي هذا دلالة على أننا بالفعل دون مشروع سياسي متكامل.. أننا لا نملك برنامجا حقيقيا يمكنه أن يكون في مستوى القدرات التي نملك. لم تعد لسياسيينا القدرة لكي يضعوا أنفسهم أمام تحديات كبيرة ويُعلنوا استعدادهم ليُحاسَبوا عليها… بعد 10 سنوات أو 20 سنة من الآن. كل التحديات التي يطرحونها هي من قبيل الأهداف الجزئية، البرامج الصغرى، محاولة تلبية ضرورات الحياة، كالحليب والخبز وما أصبح يُصنَّف اليوم ضمن الكماليات (الشغل والسكن والصحة)… ويتوقف الأمر عند هذا الحد، دون أن يدري الذين اعتبروه “إنجازات” أنه لن يتحقق، مادام لم يُطرَح ضمن إنجاز أكبر، له علاقة بالمكانة التي نريد أن تكون عليها بلادنا في العقدين القادمين على الأقل. أي ضمن أي مجموعة من الدول نريد أن نبقى، أو نريد أن نكون…

في منتصف السبعينيات، كان خطابنا السياسي يضعنا ضمن صورة أننا الأكبر والأفضل في إفريقيا وفي العالم العربي، وكُنَّا نحقق إنجازات في مستوى هذا الطموح الكبير، وكان بالإمكان أن يتحول هذا الطموح الكبير إلى حقيقة ونحتل الريادة بالفعل في إفريقيا وفي العالم العربي لو لم تنزل سياسة الثمانينيات بمشروعنا الوطني الاقتصادي والاجتماعي إلى مستوى البحث عن الاستجابة للطلب الاستهلاكي المباشر للسكان، من الأجبان والحليب إلى السيارات المستوردة والمكيفات والطباخات والتلفزيونات… ولو لم تنزل الممارسة السياسية إلى تحقيق تعددية شكلية أصبح معها كل من هب ودب يدعي الزعامة في حزب، إلى أن تم توجيهنا نحو الطريق المسدود، نحو الفتنة والاقتتال الذي دفعنا من خلاله الثمن غالياـ عشرية سوداء بكل ما تحمل الكلمة من مآس وأحزان…

وبدل أن نطرح مشاريع كبيرة على إثر تضميد الجراح، ونبني سيناريو مرجعيا لبلادنا، نصنع من خلاله المستقبل الذي نريد، سرنا مرة أخرى باتجاه تحقيق أهداف فرعية… استبدلنا نمط التفكير القائم على إنجاز المُركَبات الضخمة إن في الصناعة أو التعليم العالي أو الرياضة أو بناء القرى والمدن الجديدة، بنمط آخر من التفكير يقوم على تفتيت المنشآت، وإعادة ترميم المستشفيات، وبناء الآلاف من العمارات والمئات من المحلات واستيراد كل المواد والأدوات لتحقيق أهداف اليوم قبل الغد، في جميع القطاعات، من الصحة إلى التعليم إلى السكن إلى التجارة إلى كل ما له علاقة بالاستهلاك…

وكانت نتيجة ذلك أننا جعلنا من الأفراد يعيشون وَهْمَ التقدم، من خلال ما أصبح بإمكانهم اقتناؤه (سيارات، ملابس، أدوات كهرومنزلية، مأكولات متنوعة، محلات ومطاعم…)، ولكنهم لا يعرفون حقيقة التقدم (تحسن مستوى التعليم، امتلاك قاعدة صناعية صلبة، تطوير القدرات الذاتية في مجال الفلاحة، بناء مدن جديدة وفق نمط معياري خاص…)، فما بالك أن يصلوا إلى درجة النوعية في بعض المجالات المادية (منتجات ذات نوعية عالمية في مجال النسيج أو الغذاء أو الصناعة أو الفلاحة)، أو غير المادية (تعليم نوعي، صحة نوعية، فن أو ثقافة نوعية…).

وهكذا أصبحنا نَعرِف الآخرين (مِمَّن كانوا في مستوانا قبل أربعة عقود من الزمن) بجودة منتجاتهم في كثير من القطاعات (جودة الصناعة التركية، وجودة التعليم الماليزي، وجودة التقدم الإلكتروني الإيراني، وجودة الحَكَامة السياسة الإندونيسية)، واكتفينا بالقيل والقال عَمَّا قدموا وعن المرتبة التي وصلوا إليها… أما نحن، فإننا لم نتمكن من التميز في أي من هذه الأشياء أو غيرها… وبدل أن نطرح اليوم أفكارا جديدة لبناء رؤية متكاملة نصنع من خلالها المستقبل الذي نريد، هانحن نغرق مرة أخرى في التفاصيل: تفاصيل العمل السياسي من بلدية (س) التي وقع بها الانسداد، إلى حكومة (ص) التي تجتمع بالكاد، وتفاصيل تصحيح الاختلالات الحاصلة في الميزانية وطبع الأوراق المالية، وتفاصيل البسملة والكراسي والطاولات في قطاع التعليم، وتفاصيل الطرق المهترئة وملفات الطريق السيار الذي لم يكتمل، ووعود السكن التي مازالت تتبعنا فيها لعنة عدل 1 قرابة عشرين سنة، ومشكلة زحمة المرور في مدننا، وبذور البطاطا والقمح والطماطم والبطيخ في حقولنا، وعلب هذا الدواء أو ذاك لمرضانا… كعينات فقط للمشكلات الفرعية التي أصبحت هي كل ما نملك من استراتيجية…

فإننا بدل أن نهتم بصناعة الكليات التي هي المشروع والرؤية التي من شأنها تحديد دور ومكانة الجزئيات، سقطنا في فخ هذه الأخيرة.. ولن نتمكن من النهوض إلا إذا صُغنا بالفعل مشروعا متكاملا للمستقبل، بعيدا عن أمزجة الأفراد أو الجماعات، يُصبح لدينا من خلاله على الأقل، عنوان كبير يعرفنا به العالم ونعرف به أنفسنا، نتميز به عن غيرنا، بشرط واحد، أن يكون هذا العنوان غير البترول وغير الغاز وغير ثورتنا التحريرية التي لم تكن مشروعنا إنما مشروع شهدائنا رحمهم الله جميعا…

مقالات ذات صلة