حجر الفلاسفة لإصلاح ما تعطل في تعددية البازار
قبل أن نستدرج مرة أخرى إلى وهم تعددية خرقاء حكم عليها رئيس الجمهورية بالقصور، ونستجيب لدعوات شهادة الزور بصناديق الاقتراع، يحسن بنا أن نسأل السلطة والنخبة عن سهمنا من ريع الدولة التي لم نشارك في بنائها، وثروات الوطن الذي نشعر فيه على الدوام بالغربة.
- على ضوء تقييم الرئيس منذ ثلاثة أيام للتجربة الديمقراطية الفتية في الجزائر، نقف للمرة الأولى عند تقييم فيه الكثير من التواضع، كان يفترض أن تنجزه السلطة والطبقة السياسية على الأقل في أعقاب الخروج من الفتنة الوطنية، وقبل العودة إلى مسار التعددية الذي كان وراء سنوات الجمر وأحداث الفتنة الكبرى، على اعتبار أن عقدين من ممارسة التعددية، وبكل الظروف الصعبة التي واجهتها منذ توقيف المسار التعددي، باختيار نظام الحزب الواحد والإنقلاب على خيار التعددية التي طالبت منظومة الإحتلال الإنتخابي سنة 92، لم تكن لتفضي إلى حال أفضل مما هي عليه اليوم.
- لنتذكر أن التعددية ولدت ولادة قيصرية في أعقاب أحداث أكتوبر، وأنها جاءت كنقلة مفاجئة غير محسوبة من أربعة عقود من الأحادية، التي همشت دور المواطن، إلى تعددية فبركت على عجل لتحقيق غايات، هي أبعد ما تكون عن أهداف الديمقراطية، ولم يكن لها أية صلة رحم بالتجربة التعددية التي خاضتها الحركة الوطنية داخل منظومة الاحتلال.
- تعددية المحاصصة بثقافة الحزب الواحد
- وعلينا أن نتذكر أيضا، أننا دخلنا التعددية بقوى سياسية لم تكن مهيأة لممارسة التعددية، فضلا عن المشاركة بكفاءة في بناء مسار ديمقراطي حقيقي، وكانت أقطاب المشهد السياسي الوليد: الإسلامي، والوطني، واللبرالي ملغمة بألف لغم ولغم، وقد دخلت جميعها بمعوقات فطرية، وبعاهات مكتسبة لم تشخص في وقت مبكر، بل هي خارج التشخيص إلى يومنا هذا.
- التيار الوطني، ممثلا في جبهة التحرير التي ادعت لنفسها التفرد بتمثيل “الوطنية”، قد دخل مسار التعددية بنفس الطاقم الذي كان يدير الحزب، وهو في حالة تفرد بالمشهد السياسي، وبنفس الثقافة السياسية المتحجرة، وبمرجعية فكرية وسياسية نسخت أفضل ما كان في جبهة التحرير التي قادت ثورة التحرير، دون أن تجتهد لتوليد مرجعية بديلة، فلم تكن الجبهة لتصمد في أية منافسة جادة أمام قوى جديدة لولا دعم السلطة والإدارة، وهو ما حصل في أول استحقاق انتخابي فقدت فيه جبهة التحرير السيطرة على المجالس البلدية أمام كيان حزبي جديد ولد للتو.
- القطب الإسلامي، الذي كانت تجربته قد اقتصرت، على امتداد عقود من الإقصاء، على النشاط الدعوي داخل المساجد وفي التنظيمات الطلابية في أحسن الأحوال، اختار منذ البداية مسلك الحزب الجماهيري، الذي يعوّل على العدد والكم، بدل التدقيق في الانتماء بناء على قناعة المنخرطين ببرنامج حكم، وقد دخل المسار التعددي ثم الانتخابي بقاعدة واسعة من المتعافين مع “الشعار الخيني” أوالمحرضين على الإقصاء في زمن الحزب الواحد، لكنه ظل إلى غاية قرار توقيف المسار، تيارا بلا رأس مدبر، وبلا مؤسسات حزبية قادرة على استثمار التعاطف الشعبي الواسع، من أجل بناء حزب يؤهل لإنتاج بديل ذي مصداقية للحكم.
- القطب الثالث: الذي كان يصف نفسه بالديمقراطي تارة، وبالجمهوري تارة أخرى، لم يكن في الواقع سوى أخلاطا هجينة من القوى اللبرالية والعلمانية النخبوية، وفي أحسن أحواله ظل حبيس خيارات جهوية ركبت مطالب ثقافية ولغوية، ولم يكن يملك لا المشروع، ولا القاعدة الشعبية في مجتمع سطحه الحزب الواحد.
- التسويق لاقتصاد السوق بتعددية البازار
- إلى جانب ذلك، فإن القوى الفاعلة في السلطة، وبقدر ما كانت راغبة في تحرير الاقتصاد، والذهاب إلى اقتصاد السوق، من أجل فتح آفاق جديدة لممثلي “النمونكلاتورة” في السلطة وفي الإدارات الكبرى، لم تكن لا جاهزة ولا راغبة في بناء تعددية تقبل بالتداول السلمي على السلطة عبر صناديق الاقتراع، فضلا عن الدخول في مسار ديمقراطي حقيقي كان سيفسد عليها الاستفادة من الريع المؤمل من الانتقال إلى اقتصاد السوق، بيت القصيد في كل ما حدث بعد أحداث أكتوبر. ولأجل ذلك رأيناها تسارع إلى إغلاق لعبة التعددية السياسية عند أول اختبار لم تأت رياحه بما تشتهيه سفنها، فكانت الأزمة التي قادتنا إلى العشرية الحمراء.
- العودة إلى المسار الانتخابي في عهد زروال، ثم مع مجيء بوتفليقة كانت محض عود على بدء، مع فارق مهم تمثل في التخلص من جبهة الإنقاذ التي أفسدت اللعبة على الجميع، فكانت العودة بالأقطاب الثلاثة، في توليفة جديدة هي أقرب إلى الحزب الواحد بإيقونات ثلاث.
- لا شك عندي أن البعض قد يختلف مع هذا التوصيف القاسي للمشهد السياسي الذي شارك أقطابه في معظم استحقاقات تعددية دستور 89، وقد أسلم بوجود أعذار كثيرة، يلتمسها أي عاقل منصف للمكونات السياسية، لكن القول الفصل في مثل هذه الحالات إنما يعود للمواطن الناخب، الذي سبقني وسبق رئيس الجمهورية بتحرير حكم أشد قسوة ليس فقط على الطبقة السياسية، بل على نظام الحكم ومساره التعددي الأخرق الأجوف، بذلك العزوف عن أداء دور شاهد الزور وقرفه من استحقاقات خاوية على عروشها، أكثر ما يسيئه فيها بعد التزوير الفاضح للعملية الانتخابية بقدر ما يراه من تواطؤ شخوص المشهد السياسي على تزوير الأداء داخل مؤسسات الدولة المنتخبة، والتواطؤ على اقتسام الريع ليس إلا.
- ترقيع التعددية لحماية النظام من الإصلاح
- عند اندلاع ما سمي بالربيع العربي تعالت أصوات تنصح السلطة بالتسريع بإصلاحات تستبق بها الانفجار المبرمج، وهي بلا شك دعوات صادقة، وإن لم تكن كذلك فهي على الأقل نصيحة لا ترد، ليس خوفا من رادفات الشارع العربي المنتفض، ولكن لأن البلاد كانت وما تزال بحاجة إلى إصلاحات قد عطل قطارها أكثر من مرة، بل كانت بحاجة إلى قوة قادرة على أن تدفع بالبلد إلى استثمار حالة الاستقرار النسبي، واسترجاع قدر مقبول من الأمن، وتواصل الطفرة النفطية لأكثر من عقد من الزمن، مكنت من إعادت التوازنات الكبرى لمالية البلاد، استثمار هذه العوامل للدخول في مراجعة عميقة لنظام الحكم، وليس الاكتفاء بترقيع قوانين الانتخابات والأحزاب والإعلام التي لا تقدم ولا تؤخر من الأمر شيئا.
- مبدئيا لا أعترض على من يؤمن بأن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه، وأن اعتراف رئيس الجمهورية بما في المسار التعددي من قصور هو بلا شك بداية محترمة يمكن البناء عليها، لولا أني أؤمن أيضا أن البناء السليم إنما يحتاج لساس سليم، وأنك مهما أدخلت من إصلاحات وترميمات على بنيان أسس على جرف هار، فإنه يبقى على الدوام مهدد بالانهيار، وأن البلد هو أحوج ما يكون إلى تحقيق توافق على مخطط البنيان، ثم على قواعده التي لا يطالها معول الساكن الجديد لمؤسسات الدولة.
- دولة بلا ملك يحكمها أكثر من سلطان
- فقبل أن نتوافق على التعددية السياسية وعلى الضوابط التي تحميها من التزوير، أو حتى على طبيعة نظام الحكم: برلماني، رئاسي، أو ما بين المنزلتين، لم نمنح كمواطنين، ومنذ الاستقلال، الفرصة لقول الكلمة الفصل بشأن الدولة التي نريدها لسياسة أحوالنا، ورعاية مصالحنا بقدر من العدالة في اقتسام الحقوق والواجبات، وصيانة وحماية الأنفس والأموال والأعراض من تغول الأقوياء الذي لم يكن ولن يكون أبدا حكرا على الأنظمة الاستبدادية.
- أكثر ما تسمعه من أقطاب المشهد السياسي جملا مستنسخة من التراث الفلسفي الأوروبي عند جون لوك ومونتيسكيو حول المبادئ الأساسية للدولة الحديثة، أعلاها الدعوة إلى الفصل بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهي مبادئ قد تعني طلاب السلطة من النخب السياسية، لكنها لا تضيف للمواطن شيئا، ولا تحميه من تغول النخب واستقوائها بأدوات الدولة على المواطن، كما نراه اليوم في أعرق الديمقراطيات الغربية، حتى أن مونتيسكيو كان أكثرهم صدقا حين وصف الدولة الحديثة بالدولة التي تتوازن فيها القوى، وهي عند إيلي هاليفي “دولة بلا ملك يحكمها أكثر من سلطان”، ولو شئت أن تختبر الطبقة السياسية فاسألهم عن مضمون “الدولة المدنية” التي يتوافق عليها اليوم العلمانيون والإسلاميون في تناغم عجيب، وكأنها هي نهاية التاريخ، فلن تزيد معرفتك وقتها عن اللغو بما رطن به جون لوك ومونتيسكيو حول الفصل بين السلطات، لكنك عبثا تبحث عن جملة واحدة تفيد استعداد طلاب السلطة، في هذه الديمقراطية المخادعة، لحماية الدولة من السلطة وممن يتداولون على السلطة، لأن حماية المواطن من تغول النخب إنما تبدأ مع حماية الدولة من السلطة، وهذا ليس مطروحا، لا في مسارنا الديمقراطي المستنسخ الهجين، ولا في أعرق الديمقراطيات الغربية، التي رأينا كيف انتقل فيها صلف النخب، من تغول الحكومات المنتخبة واستقوائها بالدولة على المواطن، إلى تغول الزمر الأوليغاركية المالية على المواطن والحكومات المنتخبة على السواء، فتطيح في ساعات بحكومات منتخبة في اليونان وإيطاليا بأسرع مما أطاح ربيع العرب ببعض الرؤوس الاستبدادية النافقة.
- سلطان جائر بأدوات ”حكم الشعب”
- وإلى أن تصل الشعوب إلى قناعة تتحرر فيها من الوهم الذي يسوق لها مع المسارات الديمقراطية العريقة والناشئة، المعاقة بالتزوير القبلي عندنا، والتزوير البعدي عند من سبقنا من الشعوب إلى كنائسها ومعابدها، فإني لا أجد في نفسي ما يدعوني إلى الثقة والأمل في مسارات تسخر فيها النخب من العامة، بشعار كاذب اسمه ”حكم الشعب لنفسه” و”الشعب مصدر جميع السلطات”.
- والحل، يسألني بعض القراء بإلحاح، وقد أعاب علي هذا القدر من التشاؤم؟ وبكل أمانة أجيب: لا أعلم، لكني أدعوه معي إلى التوافق أولا على ما يعلم وأعلم أنه محض أساطير، وضحك صرف على ذقون السذج من العوام، ثم يلتفت معي إلى ما في حضارتنا العربية الإسلامية من تجارب حكم، ومن مواد فكرية ثرية كافية لتصور صيغ مبتكرة لدولة تفي بالحد الأدنى المطلوب من “مؤسسة دولة لا يكون فيها المال والجاه والسلطة دولة بين الخاصة من الناس”، ولا يستبدل فيها سلطان مستبد متفرد، بزمرة من الملوك المماليك تتوجهم صناديق الانتخابات.
- السهم المغيّب من ريع الدولة وثروات الوطن
- وأختم، دون الإلحاح على ما بدأت به من توصيف للطبقة السياسية التي تحتاج أكثر من غيرها إلى إصلاح وترميم، وربما إلى جلاء وترحيل من الساحة، أختم بتوجيه السؤال التالي إلى القارئ المواطن، وربما الناخب المعول على الديمقراطية لتحسين أحواله:”أيهما أحق بتفعيل مبدأ سلطة الشعب: حكم الشعب للشعب، وسلطته على مؤسسات الحكم التي لا تتجاوز يوم الانتخاب، أم حكم الشعب وتصرفه في مصادر الثروة التي تجبى باسم الدولة لتتقاسمها قبائل السلطة؟ وهل لك أن تبدأ من بيت القصيد، وتنظر كيف انتقلنا من زمن كان بيت المال يسمى “بيت مال المسلمين” إلى زمن تجبي فيه السلطة أموال المسلمين لخزينة الدولة، التي هي على الدوام بيد سلطة زمرة من المماليك المتوجين عبر الصناديق، وانكشارية تتربص بهم ومعهم على المواطن، في اللحظة التي يستفيق فيها من نومه، ليطالب بنصيبه من ريع الدولة، وبسهمه من ثروات الوطن”.