حدوتة مصرية اسمها “ثورة 30 يونيو” 2013
يخطئ من يتصور أن عزل رئيس وحل مجلس شورى وتجميد دستور هو انقلاب على “الإخوان المسلمين” ؟، ويخطئ من يعتقد أن ما حدث يوم 3 يوليو 2013م التي جاءت بها مظاهرات 30 يونيو من السنة نفسها هو تصحيح لمسار ثورة 25 يناير2011م؟
أكذوبة إعلامية
ما حدث في مصر يوم 25 يناير 2011م هو ثورة شعبية لا تقل شأنا عن الثورة التونسية ولكن النخب المصرية حاولت أن تجعل منها رائدة للثورات العربية مثلما جعل الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت مصر “أم الدنيا”، فالشعب حمل شعار “يسقط حكم العسكر” و”الإخوان المسلمون” خرجوا من مخابئهم وجحورهم وأقبيتهم ليكونوا طرفا في الثورة بعد أن عاشوا 60 سنة ممنوعين من النشاط السياسي، ومن الطبيعي أن يصوّت الشعب للرئيس محمد مرسي حين يكون منافسه جنرالا من عهد حسني مبارك، لكن ما ذنب هذا الشعب إذا كان للعسكر سيناريو للعودة إلى الحكم بعد خروجه منه؟ وما ذنب الشعب إذا كانت في مصر”دبابات إعلامية وطائرات فضائية وجيش افتراضي”؟
إن ما حدث يوم 30 يونيو هو حدوتة مصرية إعلامية لاستئصال الإخوان شاركت فيها وسائل الإعلام الخاصة والمعارضة والعسكر وكانت مادتها الإعلامية هي أولئك الشيوخ الذين استخدموا الفتاوى لأغراض دنيوية إلى جانب التسيير السيئ للشأن العام على مستوى الرئاسة والحكومة ومن كانوا يتحكمون في الكهرباء والماء والغاز والبنزين مما يجعل المتتبع للشأن المصري يتساءل: هل استخدم العسكر الشارع المصري لإسقاط الإخوان أم استخدمته المعارضة ووسائل الإعلام الخاصة لدفع العسكر إلى الاستجابة لمطالبها خوفا من “أخونة الدولة”.
إن ثنائية “عدالة – عسكر” التي ضيقت الخناق على إجراء انتخابات برلمانية وفتحت المجال لغياب الأمن وظهور التجاوزات ساعدت الرأي العام الداخلي والخارجي على رفض حكم الإخوان بالرغم من أنهم لا يتجاوزون مليون “إخواني” من مجموع 85 مليون مصري؟.
إن ما يسمى بـ”التصحيح الثوري” أو”الانقلاب الشعبي” الذي صاحب مظاهرات 30 يونيو هو مجرد انقلاب عسكري بقناع مدني وهو ما يثير جدلا إعلاميا حول شرعيته دون الالتفات إلى الحقيقة وهي أن الاحتكام في الديمقراطية الحقيقية لا يكون إلى العسكر أو العدالة وإنما الاحتكام فيها يكون للشعب عن طريق صناديق الاستفتاء أو الانتخابات، ذلك أن من يجمد العمل بدستور استفتي عليه ويحل مجلس شورى انتخب الشعب أعضاءه ويعزل رئيسا اعترف العالم بشرعيته الانتخابية إنما هو العسكر الذي يقود انقلابا ضد الشعب يستخدم فيه أساليب جديدة وهي الشارع والمعارضة والمسجد والكنيسة ووسائل الإعلام الخاصة لعودته إلى السلطة؟.
والسؤال: هل يستطيع الشعب أن يثق في صناديق الاقتراع التي تمثل إرادته بعد أن وضع العسكر مصر أمام خيارين لا ثالث لهما: اتباع التجربة الجزائرية وتداعياتها على المستوى الأمني أو اتباع التجربة التركية الأتاتوركية وما قد ينجر عنها من ردود أفعال دولية؟
هناك من يقارن ما حدث في الجزائر في 11 جانفي 1992م بما حدث في مصر يوم الأربعاء 3 وجويليه 2013م بالرغم من أن الفرق الزمني بينهما يزيد عن21 سنة وأن جبهة الإنقاذ الجزائرية لم تصل إلى السلطة وإنما تم إلغاء الدور الثاني من تشريعيات 26 ديسمبر1991م والجيش لم يقحم الشعب في الانقلاب على الشرعية وإنما استجاب للمجتمع المدني والأحزاب اللائكية التي كانت مصابة بداء “فوبيا الإسلام”، بينما ما يحدث الآن في مصر هو أن الإخوان حكموا لمدة عام كامل ثم أطيح بحكمهم بدعم من قوى إقليمية وبمشاركة المعارضة ومجموعة من ثوار25 جانفي 2011م إلى جانب الأزهر والكنيسة القبطية وبعض الأحزاب الإسلامية فهل نسمي ما حدث ثورة أم مجرد انتكاسة للديمقراطية؟.
الحقيقة التي لا تقال هي أن الإخوان لم يستطيعوا الخروج من مرجعية “التنظيم السري الديني” إلى مرجعية سياسية لتسيير الدولة المصرية، كما أن النخب الثقافية والفنية والسياسية والاجتماعية لم تستطع الخروج من “صالونات الحكم” إلى شارع المعارضة فلجأت إلى العسكر لتحافظ على امتيازاتها وكان الشعب المصري ضحية الاثنين.
أعتقد أن الديمقراطية تحتاج إلى حكم وهو صناديق الاقتراع وما دامت هذه الصناديق تحت ضمانة العدالة في مصر فما الذي يمنع من سحب الشرعية من حكم الإخوان عبر انتخابات تشريعية تؤدي بالشعب إلى رفض الإخوان وتبقي ثقته في المرجعية الديمقراطية وتصبح مصر نموذجا يقتدى به في بناء الديمقراطية وليس في التأسيس للاستبداد.
ويبقى الحل في وساطة قطرية لأن هذا النظام أدرك أن التداول على السلطة فيه هو الضمان الوحيد لما قد يحدث من انتكاسات للتيار الإسلامي المصاحب للثورات العربية وبفضل ثقله المالي والمعنوي أن يحدث انفراجا في الأزمة المصرية، إذ يصعب على الإخوان التنازل عن شرعيتهم في الحكم ويصعب على العسكر التراجع عن الانقلاب وبالتالي فقطر لديها من الأوراق ما يسمح بحل هذه الأزمة.