حديث “الرثاثة”
في ظل الجمود والغموض الذي يكتنف الوضع العام وغياب أي حركية سياسية أو اقتصادية أو ما يشغل الرأي العام..لا حديث هذه الأيام في الجزائر إلا عن الشيفون ومنع استيراد الشيفون حتى أصبح يخيل للناس أن الجزائر بكل ما فيها لم تعد أكثر من خرقة بالية من الشيفون؟.
-
كم يا ترى قبض “نواب الأمة” من الرشاوى والريوع من بارونات استيراد الملابس الصينية السامة والمسببة لسرطان الجلد حتى يعودوا على أعقابهم ويصوتوا لصالح منع استيراد الرثاثة أو الملابس القديمة في قانون المالية الجديد؟، وكم قبضوا قبل ذلك بشهور من مافيا وبارونات استيراد الشيفون مقابل التصويت لصالح العودة إلى استيراد هذه المادة؟.
-
وإذا كان السماح باستيراد الشيفون من طرف الحكومة والبرلمان في المرة السابقة قد تم تحت غطاء الحفاظ على ما يوفره هذا النشاط الاقتصادي الطفيلي من مناصب الشغل المقدرة 18 ألف منصب يرتكز أغلبها بأقصى الشرق الجزائري وتحت ضغوطات وإغراءات البارونات والمافيا الناشطة في هذا الميدان، فإن قرار منع الاستيراد الأخير قد تم تحت ضغوطات وتهديدات فدرالية الصناعات النسيجية الوطنية التابعة لمافيا المركزية النقابية التي انضم إليها حزب العمال بقيادة لويزة حنون لما في الأمر من تجارة رابحة للانتخابات البرلمانية والمحلية القادمة، حتى أن مستوردي الشيفون وباروناته ذهبوا إلى حد تسييس القضية وهددوا هذا الحزب وصاحبه بالإطاحة بهما في هذه الانتخابات.
-
مواقف ومساعي هذا الطرف (فدرالية الصناعات النسيجية والمركزية النقابية وحزب العمال) تجري بطبيعة الحال تحت غطاء “حماية الإنتاج الوطني ومناصب الشغل” في حين أن الهدف الحقيقي هو ابتزاز السلطات واختلاس المزيد من المال العام المخصص في كل مرة ومنذ أكثر من عشرين سنة لإنقاذ هذا القطاع من الإفلاس دون جدوى لأنه قطاع عام في مجمله وموسوم بالتالي بسوء التسيير والفساد والاختلاسات، ومع ذلك استفاد هذه المرة أيضا من ريع تجاوز 130 مليار دينار بدعوى بعثه من الموت الراكن فيه وهو ما لم يثر شهية المافيا وبارونات القطاع والنقابة فقط ولكنه يسيل لعاب الساسة والأحزاب السياسية مثل ما فعل بحزب العمال وأحزاب أخرى، وهذا بالإضافة إلى التواطؤ القائم في هذا الميدان بين دعاة حماية الإنتاج الوطني (الوهمي) وموردي أطنان الملابس من الصين والتي يعاد توظيب جزء كبير منها في مرائب سرية للتقليد وبيعها كمنتوج وطني، الأمر الذي أصبح يفرض عقد المفاضلة بين ما تفرضه المافيا والبارونات من الجانبين على المستهلك الجزائري الهالك، فيتضح أن شر الشيفون أهون من شر المنتوج الوطني لأنه يوفر على الأقل ملابس قديمة ولكنها نوعية وسعرها في متناول ملايين الجزائريين المعوزين بدل المنتوج الوطني الرديء والباهظ الثمن والذي هو منتوج صيني معاد التغليف وخطير على الصحة العامة وعلى الاقتصاد الوطني..
-
وفي كلتا الحالتين ثمة خضوع واضح وصريح من مؤسسات الدولة الجزائرية، في كل الخطوات التي تخطوها، لمن يضغط أكثر من عصابات المافيا وبارونات المال والسياسة والاستيراد، وهذا هو الأخطر والأكثر مأساوية في الموضوع؟.