حديث نفس وتمنيات… هكذا استقبل جزائريون العام الجديد
مع بداية عام 2026، لم تكن التهاني وحدها ما ملأ منصات التواصل الاجتماعي، بل رسائل شخصية كتبها مستخدمون لأنفسهم، بعضهم يطلب الصبر، وآخرون يعلنون التعب، بينما يراهن كثيرون على عام أخف وطأة، فلم يعد بعض الجزائريين يكتبون للآخرين بقدر ما يكتبون لأنفسهم، في محاولة لتنظيم مشاعرهم أمام مستقبل قد يحمل الكثير من المفاجآت..
أكد الأستاذ كريبع خذير، خبير في علم الاجتماع، أنه لاحظ مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي، أصدقاء له يكتبون عن أنفسهم مع نهاية عام 2025، بحيث يرى أن ذلك لم يعد مجرد “موضة” رقمية يقوم بها الشباب، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية حقيقية، إلا أن السؤال المطروح بحسبه، لماذا نشعر فجأة برغبة قوية في مخاطبة أنفسنا عبر الورق أو الشاشات؟ وما الذي تغير في حياتنا ليجعلنا نفعل ذلك الآن؟
وأردف معلقا ” نحن نعيش في عصر السرعة القصوى، هواتفنا لا تتوقف عن الاهتزاز بالإشعارات، والأخبار تتلاحق لدرجة أننا ننسى ما حدث بالأمس، فهذه الرسائل الذاتية هي بمثابة “فرامل” نضغط عليها لنوقف هذا التسارع.”.
كريبع خيذر: هي “فرامل” نضغط عليها لنوقف تسارع الحياة
ويرى أنه عندما يكتب الشخص رسالة لنفسه، هو في الحقيقة يقول: “أريد أن أتوقف قليلاً لأرى أين وصلت””، فإنها محاولة لخلق لحظة هدوء وسط ضجيج الحياة، لنتأكد، بحسبه، أننا لسنا مجرد آلات تتحرك، بل بشر لديهم مشاعر وأفكار تستحق التوثيق، البحث عن الصديق المخلص بين قوسين في عالم العلاقات العابرة والسطحية على الإنترنت، أين اكتشف الكثيرون أن “الذات” هي الصديق الوحيد الذي يبقى دائماً.
وعليه فكتابة رسالة لنفسك، يقول الدكتور كريبع، هي نوع من الحوار الدافئ، تخبر فيها النفس عن مخاوفها التي لا تظهرها للناس، وعن النجاح الصغيرة الذي لم يصفق لها أحد.
بن حليمة: ظاهرة إيجابية تحمل الأمل ووعود التغيير
وقال إن مثل هذه الحوارات الذاتية، تقوي “المناعة النفسية”، وتجعل الفرد يشعر بأنه متصالح مع نفسه، يعرف عيوبها ويقدر مميزاتها، وهذا ما نحتاجه بشدة في بداية عام 2026 خاصة أن تطبيقات ومواقع ترسل لنا رسائلنا في تاريخ محدد مستقبلاً، وهذا حوّل التكنولوجيا من مجرد أداة لمتابعة الآخرين إلى “آلة زمن” تساعدنا على رؤية تطورنا الشخصي حسب الدكتور كريبع خذير.
للرسائل الذاتية دور نفسي يساعد على الاستمرارية
وحول الموضوع تحدث، الخبير في علم النفس العيادي، الدكتور مسعود بن حليمة، قائلا إنه مع نهاية عام 2025، ينشر رواد التواصل الاجتماعي الجزائريون، رسائل إلى أنفسهم. لا ترسل بالبريد ولا تنشر دائما، لكنها تحمل اعترافات، ووعودا، وأحيانا خيبات ثقيلة، فما الذي يدفع الإنسان إلى مخاطبة ذاته؟ وهل نحن أمام ظاهرة صحية أم مؤشر على قلق داخلي متزايد؟
ويرى أن نهاية السنة تمثل محطة رمزية للمراجعة، فالزمن هنا لا يقاس بالأيام فقط، بل بالتحولات والخسارات والإنجازات، والرسالة إلى الذات تصبح أداة لترتيب الذاكرة، ومحاولة لفهم ما حدث، ووضع حد نفسي بين “ما كان” و”ما سيكون”، مشيرا إلى أن الإنسان يحتاج إلى سرد قصته لنفسه كي يشعر بالاستمرارية والمعنى، والرسائل الذاتية تساعده على ذلك.
وقال بن حليمة: “عندما تغيب الأذن الأخرى، تمثل هذه الرسائل بديلا عن الدعم الخارجي، فالجميع لا يكتب لأنفسهم بدافع التأمل فقط، فبالنسبة للبعض، يجدون في “الفايسبوك ” مساحة آمنة للاعتراف بما لا يستطيع قوله للآخرين”.
لكن من جهة أخرى، حذر الدكتور بن حليمة، من أن تتحول مثل هذه الرسائل الذاتية والكتابات الموجهة لأنفسنا، إلى عزلة نفسية مزمنة، حيث يصبح الشخص مكتفيا بحواره الداخلي فقط، دون طلب مساعدة أو مشاركة”، ولكن بحسبه، ورغم كل شيء، تحمل معظم الرسائل عنصرا مشتركا، وهو الأمل من خلال وعود بالتغيير، أمنيات بالسنة القادمة، وهذا يعتبر آلية دفاع صحية تساعد الفرد على الاستمرار، حتى وإن لم تتحقق كل أمنياته ووعوده لاحقا.
حوار داخلي… بين الدعم والجلد
ومن جانبه، أكد الشيخ جلول حجيمي، الأمين العام للتنسيقية الوطنية للأئمة، أن في حال كان مضمون هذه الرسائل، تتراوح نبرتها بين الاحتواء واللوم، شيء جميل، وخاصة لو كان بعضها يحمل كلمات تشجيع وأمل، ويمتلئ بعضها الآخر بالعتاب القاسي والندم. نفسيًا، فهو يعكس هذا الاختلاف طبيعة الحوار الداخلي لدى الفرد، وهو إشارة إلى وعي ذاتي ونضج انفعالي، أما القاسي والمتكرر فقد يكون علامة على ضغط نفسي أو مثالية مفرطة لا تسمح بالخطأ.
وأوضح أن بعض الرسائل التي يكتبها رواد التواصل الاجتماعي، لأنفسهم، تكون عابرة ووقتية نتيجة الغموض حول المستقبل الذي جعل الناس يشعرون بفقدان السيطرة، فكتابة الرسائل للذات هو محاولة لاستعادة هذه السيطرة.
ولكن حسب الشيخ حجيمي، بعض المواعظ والاعترافات بالذنوب او التقصير من الجانب الديني، لا تطبق على ارض الواقع، بل هي مجرد تظاهر وتجميل لصورة عبر الرقمنة.