حرائق الغابات وما تفرضه علينا من واجبات
الغابة مكان للاستجمام، وهي أكثر من ذلك عنصر من عناصر التوازن البيئي الضروري لحياة الإنسان والحيوان على سواء. ويغطي الغطاء الغابي نسبة معتبرة من الكرة الأرضية على المستوى العالمي، وتحتل الجزائر مكانة متقدمة في هذا المجال، إذ يمتد الغطاء الغابي من الداخل الجزائري إلى الشريط الساحلي.
عملت الجزائر منذ مدة على بناء السد الأخضر الذي يشكل حاجزا طبيعيا، يمنع زحف الرمال ويحد من مشكلة التصحر، ولم تقف جهود الجزائر عند هذا الحد بل شملت خططا لاستصلاح الأراضي الصحراوية وتهيئتها وجعلها أرضا خضِرة، نابضة بالحياة بعد أن كانت أرضا قاحلة.
ما ذكرته وغيره كثير، يؤكد أن الجزائر لم تدخر جهدا للحفاظ على الغطاء الغابي وكل ما يرمز إلى الخضرة من خلال مشاريع حماية الغابات وسن القوانين الردعية التي تسلط أقسى العقوبات ضد العابثين والمفسدين الذين لا يرعوون عن الاستخدام العشوائي للموارد الغابية أو الإضرار بالغطاء الغابي، أو السكوت وعدم التحرك وعدم الإبلاغ عن السلوكات الإجرامية التي تستهدف هذه الموارد أو تشجع على أعمال التخريب والفساد.
إن جهود الجزائر في حماية الغطاء الغاب ، يفند كل الادعاءات بتقصيرها في هذا المجال. إن هذه الجهود من جانب الدولة، تحتاج إلى مساهمة ويقظة شعبية شاملة لحماية الموارد الوطنية من خلال تكريس فكرة المواطن الشريك في حماية المقدرات الوطنية التي لا يعود نفعها على فئة بعينها بل على الجماعة الوطنية برمتها.
لقد قرأت مقالا قيما بـ”الشروق اليومي” ليوم السبت 29 أوت 2026 في صفحة “الحدث”، للأستاذ عثمان عبد اللوش بعنوان (عن حرائق الغابات في الجزائر)، الذي حلل فيه أهم الأسباب المؤدية إلى ذلك، ومنها الانفجار الديمغرافي وعقم الإدارة التقليدية، وأشار في المقابل إلى معالم إستراتيجية ناجعة لمكافحة هذه الحرائق أو الحد منها على أقل تقدير، ومن أهم هذه المعالم: إحياء الاقتصاد الغابي المستدام، والقبضة القانونية والردع الجنائي، وترسيخ الوعي المجتمعي المتكامل. لقد أجاد الأستاذ عثمان عبد اللوش وأفاد، ولا أريد تكرار ما قاله بل الإضافة إليه مع التركيز على الجانب السلوكي والتوعوي الذي أرى أنه يجب تعزيزه بكل الوسائل المتاحة من أجل بلوغ الأهداف المسطرة التي وضعتها الدولة في صدارة اهتمامها لحماية الغطاء الغابي ومحاربة كل محاولة عبثية تطاله باعتباره من مقدرات الأمة التي لا ينبغي التهاون بشأنها بل توجب أقصى درجات التعاون الفردي والجماعي والمجتمعي الذي يثمر في النهاية مجتمعا آمنا متماسكا بعيدا عن كل الأخطار والأنظار التي تترقبه وتروم تثبيطه بطريقة أو بأخرى مستعينة في ذلك بشركائها في الإجرام.
إن حرائق الغابات في الجزائر التي ذهب ضحيتها أرواح زكية، أدمت قلوب الجزائريين وكسبت تعاطف الخيِّرين في كل أنحاء العالم، تحتم علينا واجبات حتى لا تتكرر المأساة أو تأتي حين تأتي خفيفة الوطء، إننا نؤمن بأن الحرائق وغيرها من النكبات والمصائب، إذا اتخذت الحيطة اللازمة وتوفرت اليقظة المطلوبة، وأدِّيَت الواجبات المفروضة بشأنها، أمرٌ قدري لا نملك حياله إلا القول “قدر الله وما شاء فعل”. إننا نرفع أكف الضراعة إلى الله عز وجل أن يرحم موتانا الذين قضوا في هذه الحرائق، وأن يشفي مرضانا وأن يواسي مصابنا وأن يلطف بنا فيما جرت به المقادير، وأن يجازي رجال الحماية المدنية وأفراد الجيش وكل أسلاك الدولة وكل الخيّرين الذين واجهوا النار بصدور عارية، تحدوهم في ذلك عقيدة نصرة إخوانهم وإنقاذ أرواحهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
هذه هي أهم الواجبات حيال حرائق الغابات وحيال كل المخاطر الكبرى، واجبات إذا قمنا بها خير قيام وعملنا بها بمنطق الالتزام الذي يفرضه علينا واجب الانتماء الوطني فإنها تثمر واقعا جديدا، تتسع فيه دائرة الأمل بمستقبل زاهر، ومجتمع آمن، وأعني بذلك الأمن البيئي الذي يجعلنا في مأمن من كل خطر يهدد مجتمعنا أو يعيقنا عن مواصلة مسيرتنا المظفرة في بناء الوطن.
أولا: نشر ثقافة الإبلاغ
إن المقصود بثقافة الإبلاغ، أن يعتبر كل مواطن في أي موقع كان نفسه عينا ساهرة على مقدرات الأمة، يبلّغ عن كل فساد أو إضرار أو إجرام يستهدف الغطاء الغابي، وأن يضم جهوده إلى جهود رجال الحماية المدنية وحراس الغابات ورجال الأمن وأفراد الجيش والخيّرين، وذلك من منطلق أن الوطن أمانة في عنق كل جزائري، يحرص على حمايتها من كل خطر داهم. إن ثقافة اللامبالاة التي تشيع بين أوساط بعض شبابنا على وجه الخصوص ثقافة دخيلة على تقاليدنا وهي نتاج عمليات المسخ الثقافي، الذي يستهدف عنصر الشباب لعزله عن الأمة ولسلخه عن جذوره الوطنية.
إن ثقافة الإبلاغ من شأنها أن تضع حدا لعبث العابثين وعمل المفسدين الذين لا يروق لهم أن يروا جزائر ناهضة آمنة مطمئنة. إن الجزائر ملك للجميع، ومن ثمّ فإن حمايتها مسؤولية جماعية، تقع على عاتق الجميع فالجزائر أمانة الشهداء وحلم الوطنيين النزهاء وجوهرة لا يجوز أن نفرط فيها أو نسلمها أو نتركها لقمة سائغة للمتربصين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
ثانيا: تكريس مبدأ التعاون والشعور بالمسؤولية الجماعية
من وصايا القرآن الكريم لجماعة المؤمنين، التعاون على البر والتقوى في قوله تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” (المائدة2). إن التعاون ركنٌ ركين في عقيدتنا الإسلامية، وهو كذلك ركن ركين في تقاليدنا المجتمعية وينبغي أن يفعل ويكرس على أوسع نطاق، وأن تحارب في المقابل فكرة “تخطي راسي”، وهي فكرة خاطئة، من شأنها أن تشيع الفساد وتغري عصابات الفساد بالإمعان في فسادهم وإجرامهم. لقد أظهر الجزائريون تعاونا كبيرا مع رجال الحماية المدنية وأفراد الجيش وكانوا سندا لهم في عمليات الإطفاء والإجلاء والإغاثة، وهذا أمر يثلج الصدر ويزيل الصورة النمطية التي يحاول بعض المثبطين إلصاقها بالمواطن الجزائري بأنه مواطن يهتم بشأن نفسه ولا يهتم بالشأن المجتمعي.
إن من ثمرات التعاون، تجفيف منابع الفساد من خلال نشر ثقافة الإبلاغ مما يساهم في تبادل المعلومات واجتماع الإرادات وممارسة الرقابة المجتمعية.
ثالثا: نشر الثقافة الغابية والبيئية
أعتقد أن الثقافة الغابية بالمفهوم الواسع الذي نعنيه غائبة في أذهان بعض الجزائريين، فالغابة لدى هذه الفئة مكان للمتعة والنزهة ولا يهمهم ما يقع فيها أو ما يقومون به هم أنفسهم من سلوكات طائشة من شاكلة رمي أعقاب السجائر أو ترك مواد مشتعلة عند مغادرة المكان. إن الثقافة الغابية هي منظومة القيم والسلوكات والتقاليد التي تربط المجتمعات البشرية بالبيئة الغابية، فالغابة جزء من الهوية ومصدر من مصادر الاقتصاد، ومن ثمّ فإنها تمثل عنصرا حيويا يجب الحفاظ عليه وحمايته ورعايته بأقصى درجات الحماية والرعاية.
رابعا: إقامة معسكرات سكانية
كما أشرت سابقا، ينبغي التفكير من الآن في تعمير الغابة من خلال إقامة تجمعات ومعسكرات سكانية في محيط الغطاء الغابي مع توفير جميع المستلزمات الضرورية وظروف العيش ووسائل الحماية الأمنية، فهذا الإجراء من شأنه القضاء على فكرة أن الغابة مكانٌ موحش بعيد عن التجمع السكاني.
إن إقامة معسكرات مدنية داخل الغابات يواجه مشكلات جمَّة في مقدمتها تعريض أمن السكان لخطر الحيوانات المفترسة ولخطر الجماعات الإجرامية، وهذا يوجب إقامة عوازل ومراكز أمنية والقيام بدوريات ودورات لتأمين المحيط الغابي. وقد جربت بعض الدول هذه العملية فأتت أكلها لأن المعسكرات والمراكز التي يجري تأسيسها في المحيط الغابي أثبتت قدرتها على تأمين هذا المحيط وتأمين ساكنيه. إن الغاية المرجوة من إقامة هذه المعسكرات هو اتخاذها كمراكز للإنذار المبكر التي تحول دون وقوع الكوارث والحرائق المهولة داخل الغابات.
خامسا: إقامة حواجز طبيعية
يُقصد بالحواجز الطبيعية إقامة عوازل طبيعية من خلال اقتطاع جزء يسير جدا بقدر الحاجة من الغطاء الغابي وتركه أرضا جرداء، فمن شأن هذه العملية أن تمنع تقدم النيران إلى مناطق أخرى حتى في حالة الرياح الشديدة، وقد كان هذا الإجراء الوقائي معمولا به في السابق، ولا أظن أن مصالح الغابات قد تخلت عنه بل التشجير العشوائي في بعض الحواف البعيدة عن الرقابة هو الذي أدى إلى إزالة هذه الحواجز الطبيعية وتعريض مساحات غابية شاسعة للتدمير بواسطة الحرائق.
سادسا: إقامة معسكرات للحماية المدنية في العمق الغابي
ليس ضروريا أن تكون هناك معسكرات راجلة للحماية المدنية بل يكفي أن تكون هناك معسكرات للقوات المدنية المحمولة جوا من أجل التواجد عن قرب ومحاصرة أي حرائق وإخمادها في بدايتها قبل انتشارها وامتدادها. إن الحماية المدنية الجزائرية تتوفر اليوم على المعدات الضرورية التقنية واللوجستية التي تمكّنها من القيام بهذه المهمة على أكمل وجه. إننا لا نشك في كفاءة رجال الحماية المدنية في أن يكونوا في مستوى هذا التحدي الذي يجنب بلادنا مستقبلا خطر الحرائق التي تركت حرقة في قلوبنا جميعا.
إن الحماية المدنية الجزائرية تتوفر اليوم على المعدات الضرورية التقنية واللوجستية التي تمكّنها من القيام بهذه المهمة على أكمل وجه. إننا لا نشك في كفاءة رجال الحماية المدنية في أن يكونوا في مستوى هذا التحدي الذي يجنب بلادنا مستقبلا خطر الحرائق التي تركت حرقة في قلوبنا جميعا.
إن الحرائق الأخيرة لم تميز بين المواطن ورجل الحماية المدنية وأفراد الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن ومن ثمّ فإن إقامة هذه المعسكرات للحماية المدنية مدعومة بالحس المدني من شأنها تجنيب بلادنا النكبات التي عشناها والحرائق التي أزهقت أرواح بعض مواطنينا الذين نسأل الله أن يتقبلهم في الصالحين وأن يبدلهم بالشرر الذي طالهم في الدنيا بردا وسلاما ونعيما مقيما في الآخرة فهو ولي ذلك والقادر عليه.
* الحرائق الأخيرة لم تميز بين المواطن ورجل الحماية المدنية وأفراد الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن ومن ثمّ فإن إقامة هذه المعسكرات للحماية المدنية مدعومة بالحس المدني من شأنها تجنيب بلادنا النكبات التي عشناها والحرائق التي أزهقت أرواح بعض مواطنينا الذين نسأل الله أن يتقبلهم في الصالحين وأن يبدلهم بالشرر الذي طالهم في الدنيا بردا وسلاما ونعيما مقيما في الآخرة فهو ولي ذلك والقادر عليه.
* الثقافة الغابية بالمفهوم الواسع الذي نعنيه غائبة في أذهان بعض الجزائريين، فالغابة لدى هذه الفئة مكان للمتعة والنزهة ولا يهمهم ما يقع فيها أو ما يقومون به هم أنفسهم من سلوكات طائشة من شاكلة رمي أعقاب السجائر أو ترك مواد مشتعلة عند مغادرة المكان. إن الثقافة الغابية هي منظومة القيم والسلوكات والتقاليد التي تربط المجتمعات البشرية بالبيئة الغابية، فالغابة جزء من الهوية ومصدر من مصادر الاقتصاد، ومن ثمّ فإنها تمثل عنصرا حيويا يجب الحفاظ عليه وحمايته ورعايته بأقصى درجات الحماية والرعاية.
* الجزائر لم تدخر جهدا للحفاظ على الغطاء الغابي وكل ما يرمز إلى الخضرة من خلال مشاريع حماية الغابات وسن القوانين الردعية التي تسلط أقسى العقوبات ضد العابثين والمفسدين الذين لا يرعوون عن الاستخدام العشوائي للموارد الغابية أو الإضرار بالغطاء الغابي، أو السكوت وعدم التحرك وعدم الإبلاغ عن السلوكات الإجرامية التي تستهدف هذه الموارد أو تشجع على أعمال التخريب والفساد.
• جهود الجزائر في حماية الغطاء الغاب ، يفند كل الادعاءات بتقصيرها في هذا المجال. إن هذه الجهود من جانب الدولة، تحتاج إلى مساهمة ويقظة شعبية شاملة لحماية الموارد الوطنية من خلال تكريس فكرة المواطن الشريك في حماية المقدرات الوطنية التي لا يعود نفعها على فئة بعينها بل على الجماعة الوطنية برمتها.