حرائق تجلي كثيرا من الحقائق
لا يمكن لأي جزائري أن ينسى الأيام السود التي مر بها أهلنا في جيجل والطارف ومناطق أخرى من الوطن العزيز، الذين حاصرتهم ألسنة اللهب فأسلم بعضهم الروح وصارع بعضهم للخروج من الجحيم الذي طال الإنسان والحيوان والعمران على سواء. أيام سود ستبقى ذكراها الحزينة عالقة في أذهان الجزائريين الذين أبكتهم صور المحروقين الذين يصطرخون وسط الأحراش المشتعلة والغابات الملتهبة.
أيام سود ستلهم الشعراء لتخليد ذكراها ورسم صورتها القاتمة في سجلّ الجزائر المقاوِمة التي تعرضت في تاريخها الطويل لكثير من المصائب فخرجت منها صابرة محتسبة، يحدوها الأمل في الحياة الذي ينسيها ألم الفاجعة ووطأة المصيبة التي نزلت على رؤوس الجزائريين كالصاعقة فهبوا لإنقاذ إخوانهم غير مبالين بما قد يتعرضون له من مخاطر. إن الحرائق الأخيرة تجلي كثيرا من الحقائق التي يتعمد أعداء الأمة ودعاة الفتنة إخفاءها لغرض في أنفسهم أو بتحريض من الدوائر المشبوهة التي تستعملهم وتجندهم وتؤلبهم على وطنهم.
الحقيقة الأولى: عفوية التضامن
لا يحتاج الجزائري إلى الدعاية ليتضامن مع إخوانه في الأيام العصيبة، فمنذ بداية الحرائق هب الجزائريون لإنقاذ إخوانهم الذين حاصرتهم ألسنة النيران في الجبال والوديان، معرّضين أنفسهم لخطر داهم لا تخفى عواقبه، فالنار خصم شرس شديد البأس لا يستثني أحدا، وكل من تعرض له أصابه من فيحه فلا ينجو إلا من أنجاه الله ولم يحن أجله. إن عفوية التضامن لدى الجزائريين حقيقة لا مبالغة فيها، فلا يحتاج الجزائريون إلى شعر الحماسة ليؤدوا واجبهم في النصرة والتضامن فهذا الواجب الوطني راسخ في أذهانهم يجري منهم مجرى الدم.
تقول الأخبار الواردة من جيجل والطارف وغيرها من المدن التي مستها الحرائق إن قوافل المتطوعين التي جاءت من كل حدب وصوب قد غص بها المكان، فمنهم من جلب الطعام والشراب ومنهم من جلب الثياب ومنهن من حضّرت العجين وطبخت الرغيف للفيف المنقذين من المدنيين ورجال الدرك وحراس الغابات وكل من كان بالمكان في مشهد نضالي تضامني، يذكّرنا بما شاهدناه في فيلم “معركة الجزائر ” ولم نشهده لأننا من جيل الاستقلال من صورة حرائر الجزائر اللواتي كن يحضّرن الرغيف “الكسرة” للمجاهدين والمرابطين في الثغور دفاعا عن الجزائر ضد المستعمِر الغاشم.
لقد انتقلت جماهير غفيرة إلى جيجل وغيرها من المناطق التي مستها الحرائق في عفوية تامة ليس فيها تكلُّف أو تصنُّع، وهذا ليس بغريب على الشعب الجزائري الذي يعدُّ التضامن ركنا من أركان الوطنية وعربون انتماء لهذه الأمة. ليست هذه هي المرة التي لمسنا فيها عفوية التضامن لدى الجزائريين فقد لمسناها في كوارث أخرى سابقة، في زلزال “الأصنام”، وفيضانات باب الوادي وزلزال بومرداس وغيرها، فمن الجزائريين من تبرع بماله ومنهم من تبرع بدمه ومنهن من تبرعت بحلي الزينة التي تدخرها ليوم الوليمة، ومنهن من لم يسعفها حالها للتبرع بالمال ولم تجد سبيلا لنصرة إخوانها إلا الدعاء لهم بظهر الغيب.
الحقيقة الثانية: خيبة المتآمرين
لقد أصيب المتآمرون الذين راهنوا على أن تفضي الحرائق إلى خلل داخلي فانقلب السحر على الساحر وأصيب المتآمرون بخيبة كبيرة، حاولوا إخفاءها ولكن النشرات والقنوات كشفت عنهم النقاب وأظهرتهم في صورة من يعضّ على يديه بعد أن تبيّن له أنه قد خاب وخسر ولم ينل من كيد الليالي إلا خيبة يجرّ أذيالها ويتجرعها ولا يكاد يسيغها.
لقد حاولت بعض الجهات المتآمرة ركوب موجة الحرائق لتخرج ما في نفسها من حقد دفين لهذا الوطن ولتحرك أزلامها فباءت بخيبة كبيرة جعلتها مثارا للسخرية ولمن يروم رمي بغيره بالحجارة ونسي أن بيته من زجاج وأن ما خطط له سيكتوي بناره وأن السلاح الذي أشهره ضد الجزائر سيُرد إلى نحره.
لقد حاولت بعض القنوات الإعلامية المغرضة استغلال الحرائق التي مست بعض الولايات لممارسة طريقتها المعتادة في التدليس والتلبيس وعمل عمل إبليس، فخابت وخسرت لأنها لم تجد من الأكاذيب التي جمعتها ما يُقنع المشاهد الذي يرى على الميدان عكس ما تروّجه هذه القنوات من بهتان لا يصدّقه الصبيان.
لم يجد إعلام الفتنة مادة لترويج ما اعتاد عليه من خرافات فعدل عن الدعاية ولكنه احتفظ بطريقته الخسيسة في التهريج الإعلامي الذي لم يعد له مشاهدون لكثرة ما اشتمل عليه من ابتذال لا يُقبل بأي حال من الأحوال.
الحقيقة الثالثة: خيبة المشككين في العدالة
ظن بعض الواهمين أن جرائم حرائق الغابات ستمر مرور الكرام أو سينال مرتكبوها عقوبات لا تكافئ حجم الجرائم المرتكبة وأن أقصاها السجن المؤبد لأن الجزائر علقت تنفيذ عقوبة الإعدام منذ مدة، فصدمتهم قرارات مجلس الوزراء الأخير الذي وجه فيه رئيس الجمهورية بضرورة مراجعة القانون الجنائي وإدراج عقوبة الإعدام مع التنفيذ ضدّ من تثبت في حقهم جريمة الحرق العمدي للغابات. إن عقوبة الإعدام في حق حارقي الغابات عمدا ستكون ردا قاسيا وعادلا في الوقت ذاته ضد من تمتد يده إلى الغابة فيُحرقها ويحرق من فيها وما فيها مقلدا عمل المفسدين الذين حدَّثنا عنهم القرآن الكريم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، يقتلون البشر ويحرقون الشجر ولا تأخذهم في الناس رأفة ولا رحمة كأن قلوبهم قد قدت من حديد.
إن تاريخ 15 سبتمبر 2026، سيكون تاريخا راسخا في تاريخ العدالة الجزائرية التي لا تتهاون في عقاب كل من تسوِّل له نفسه المساس بأمن الأشخاص والممتلكات وحرق الغابات. إن عقوبة الإعدام في حق حارقي الغابات سيكون لها وقعٌ شديد على النفوس المريضة التي تنتقد العدالة الجزائرية وتتهمها اتهامات باطلة وتغض الطرف عن غياب العدالة في المجتمعات الديمقراطية المزعومة التي يتغنون بها ويتخذونها قدوة في مجال الحريات وحقوق الإنسان.
الحقيقة الرابعة: البطولة تولد من رحم المأساة
فُجع كثيرٌ من الجزائريين في الحرائق الأخيرة في أبنائهم وذويهم وأقاربهم، ولكننا شاهدناهم وهم صابرون محتسبون راضون بقضاء الله وقدره، ومما أدمى قلبي كثيرا مشهد الطفل اليتيم الذي فقد والده الشرطي في الحرائق، لقد كان يتكلم بكلام الراضي بقضاء الله وقدره. إن هذا الطفل اليتيم وغيره من يتامى الجزائر الذين فقدوا آباءهم في الحرائق المهولة سيكونون خير خلف لخير سلف، وسيكبرون وتكبر في نفوسهم قيم المروءة والإباء والبطولة وإن يوما لناظره قريب. ستنجلي الظلمة وتنكشف الغمة، وتمر المأساة وسيواصل الأطفال اليتامى السير على درب آبائهم الذين منحوا الجزائر جهدهم ومهجهم وبذلوا الغالي والنفيس خدمة لوطنهم ومجتمعهم. أقول للطفل اليتيم الذي فقد والده الشرطي وإلى كل من مسته مصيبة الفقد في ولد أو والد أو قريب إن عظماء التاريخ الذين تركوا بصمات خالدة في صفحاته هم أولئك الذين مستهم البأساء والضراء فثبتوا ولم يستكينوا، كبرت عزائمهم فأصبحوا مثالا للاقتداء وعنوانا للوفاء.
لقد ابتُليت الجزائر بالزلازل والفيضانات والحرائق فخرجت منها جميعا صابرة محتسبة، تتطلع إلى المستقبل بخطى واعدة وبنفس مطمئنّة.
إن عقوبة الإعدام في حق حارقي الغابات عمدا ستكون ردا قاسيا وعادلا في الوقت ذاته ضد من تمتد يده إلى الغابة فيُحرقها ويحرق من فيها وما فيها مقلدا عمل المفسدين الذين حدَّثنا عنهم القرآن الكريم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، يقتلون البشر ويحرقون الشجر ولا تأخذهم في الناس رأفة ولا رحمة كأن قلوبهم قد قدت من حديد.