حرب التضليل الإعلامي.. لماذا يخافون العمل الهادئ؟
المواقف الهادئة دائما لا تعجب القوى الغربية. تريد من دولنا تلك المواقف المُلتهبة المليئة بالضجيج من غير فعالية لكي يسهل عليها تشويهها والقضاء على من خلفها إمعانا في إذلال الآخر والإبقاء عليه تحت أقدامها.. ولذلك تجدها تسعى عبر التضليل الإعلامي دوما إلى تحويل أي موقف ناضج وهادئ وعقلاني إلى عكسه تماما.
قرار الجزائر لتزويد الشقيقة لبنان ببعض الطاقة للخروج من حالة الضيق الطاقوي المؤقت التي يعرفها ينبغي أن يتحول عن غرضه الأساسي الإنساني الأخوي إلى غرض آخر تماما قد يوصف بالعدائي ضد السياسات الغربية في المنطقة، وحديثها عن الدعم الإنساني لقطاع غزة في جانب الرعاية الصحية ينبغي أن يتحول إلى شبه الدعوة إلى الحرب، وهكذا بالنسبة لأي بلد آخر يرفض تشويه الحقائق أو السكوت عن الظلم أو يسعي لِمَد يد المساعدة للآخرين دون انتظار أوامر الغرب. ينبغي دفع جميعهم إلى التطرف والعمل عبر أبواقهم وعملائهم لجعلهم يبدون كذلك، ولِمَ لا دفعهم إلى رد فعل يكون بالفعل كما يريدون فيجري استهدافهم في الوقت الذي يُحدِّدونه.
وهنا تبرز الكثير من الأبواق الدعائية للقيام بهذا العمل من خلال دس السم في العسل، وكيل أطنان من الذم في صيغة المدح لمن أراد أن يعمل بصمت وبهدوء لعله يغتر ويتحول إلى ما يريدون.. وقد تابعت بعضا منها وهي تقول عن بلادنا ما لم يقله الأعداء تحت غطاء صيغ مدح غير صادقة من قبيل “بلاد المواقف الثورية وبلاد التضحيات والتي تستطيع أن تقول ما لا يستطيع قوله الآخرون وفعل ما لا يستطيعون…الخ” ضمن مدح سمج، زائف، لا تنطلي أهدافه سوى على السذج غير العارفين بالنوايا الحقيقية لهؤلاء “الأحباب” الأعداء المُتَسترين تحت غلاف الثوربة المخادعة بالوقوف إلى جانب الحق مَكرا وتخطيطا لدعم الباطل من الجهة الأخرى..
لذلك ينبغي ألا تنطلي حيلة تحريك مشاعر الغضب فينا، إنْ في سياستنا الداخلية أو الخارجية، وينبغي أن يبقى الهدوء الفعَّال هو مَا يحكم سلوكنا بدل الانفعال ورد الفعل ومحاولة إرضاء بعض المواقف “الثورية” الزائفة التي نعرف مَن خلفها حق المعرفة…
لقد أصبحنا نستطيع التمييز بالفعل بين مواقف الضجيج الإعلامي لبعض الأطراف التي هي جعجعة من غير طحين، والمواقف الهادئة ذات الفعالية القصوى التي لا تَبرز آثارها إلا بعد حين.. وعلينا دائما تشجيع البديل الثاني إن في خطابنا الداخلي أو الخارجي، فلا نحن أكبر قوة حتى ولو كُنَّا كذلك، ولا نحن أفضل من الآخرين حتى ولو كُنَّا كذلك، ولا نحن أصدق من الآخرين ولو كُنَّا كذلك…الخ، لِنترك الأيام والنتائج في الميدان تتحدث عنَّا دون أن نَسبقها بالضجيج الإعلامي أو نُعطي الفرصة للآخرين يُثيرون حولها الكثير من التضليل والخداع، فيفقدونها فعاليتها ويُقدِّمون خدمة غير مباشرة لِمن يسعى لتقويض أعمالنا وما أكثرهم..!!
لقد دأبنا على التواضع والعمل الفعلي دون كثرة الحديث، مرجعيتنا نستمدها من بيان أول نوفمبر الذي، وهو يُعلن أكبر ثورة في القرن العشرينْ لم يستخدم أكثر من عبارة العمل (أو الفعل) التحرري l’action liberatrice، أو عبارة عملنا (فِعلنا) notre action، أما الصفة الثورية فنسَبَها للمبادئ وللحركة الوطنية وحتى للظروف الثورية!! دون أن يلجأ إلى استخدام عبارة “نعلنها ثورة على الاستعمار” أو ما شابه… تلك هي عبقرية ذلك الجيل الحقيقية التي مَكَّنته من قهر الفرنسيين وحلفائهم الأطلسيين، وعلينا أنْ نَسير على نهجهم اليوم… من خلال العمل والفعل وليس من خلال العبارات الرنانة ورد الفعل، ولِنترك الشِّعارات ومثل هذه العبارات لِمن يهواها من الثوار المزيَّفين ودعاة الثورات المُلوَّنة، وما أكثرهم اليوم…