“حروب الاسترداد” على منظومة التعليم
إن كان من فضلٍ سيُذكر لوزيرة التربية السيّدة عند الوزير الأول فسيكون في خروجها الإعلامي الأخير الذي نجح في صرف الأنظار عن الحصيلة الهزيلة لزيارة فالس للجزائر، واستخفاف فرنسا بشريكها الجزائري، وإلا فإن الوزيرة تكون قد أوقدت بلا رويّة أكثر من بؤرة نار مع الأساتذة في قطاعها، ومع خرّيجي الجامعات، ونقابات قطاع التعليم، ولم تستثن لا الصحافة، ولا جانباً من البرلمانيين، ولا من سبقها إلى إدارة القطاع.
ربما يكون لسانها العربي المتعثر قد خانها كلما جاهدت نفسها على الاقتراب منه، لكن ثلث مداخلاتها في الندوة الصحفية كانت بلسانٍ فرنسي متقطع، والثلث الباقي بلسان دارج متعثر، فكانت الحصيلة هجوما فوضويا على الجميع، وقد اتهمت الأكثرية بالخروج عن قوانين الجمهورية، ومحاولة تخريب السِّلم الاجتماعي، ومن لم تصنفه مع المارقين فقد اتهمتهم بإساءة “الاستماع” للسان الحال حتى بعد “الإنصات” للمقال، وهي لا تعلم أن “الإنصات” أبلغ من “الاستماع” في لسان العرب.
ربّما قد يجد بعضهم أعذارا للسيدة بن غبريط، بحكم ضعف تجربتها السياسية التي لم تحمِها من الدخول هكذا في صراع مفتوح مع أكثر من طرف، للتغطية على خطيئةٍ ارتكبتها بسوء التدبير لملف الأساتذة المتعاقدين، حين اختارت اكتتاب عشرات الألوف من خريجي الجامعات للتحايل على واجب البحث في سبل ادماج من كان قد ساعد الوزارة في تغطية العجز المتراكم في تأطير مختلف أطوار التعليم.
من الواضح أن الحلول التي اقترحتها الوزيرة على عجل بإخضاع المتعاقدين إلى نفس الاختبار الذي سيخضع له أكثر من 860 ألف مرشح متنافس على 28 ألف منصب فيها كثيرٌ من المكر والخداع، لأن تحليل الأرقام يفضي إلى واحد من الأمرين: إمّا أن مناصب الشغل المتنافس عليها هي مناصب شغل جديدة، وعندئذ ما الحاجة إلى إشراك المتعاقدين في المسابقة؟ أو أنها تشمل المناصب التي يشغلها المتعاقدون، لتكون وقتها محض محاولة ملتوية للتخلّص من المتعاقدين.
ولو أن النوايا كانت صادقة ليس فيها نيّة المرور بالقوة للتخلّص من المتعاقدين، لكانت الوزارة فصلت بين الحاجة إلى إخضاع المتعاقدين لاختبارٍ خاص، يأخذ بعين الاعتبار حاجة القطاع إلى أساتذة مؤهّلين، والحاجة إلى دعم القطاع في ما بقي من مناصب شغل لاختبار منفرد تلجأ إليه الوزارة كل سنة لتغطية احتياجات الموسم القادم، ومايزال أمام الوزيرة فرصة لتجاوز خطر تعكير أجواء امتحانات نهاية السنة، بتأجيل موعد المسابقة إلى بداية الصيف والبحث عن تسوية عقلانية مع الأساتذة المتعاقدين.
بكلِّ أمانة، يبدو أن عبء وزارة التربية، وهي المشغِّل الأول في قطاع الوظيف العمومي، المستهلِك لثلث ميزانية الدولة، فوق طاقة ومؤهّلات هذه الجامعية، التي لا يطعن أحدٌ في مؤهلاتها الأكاديمية، لكن تسييرها المرتجل للقطاع، بتجاهلها المتواصل لأبعاده وتبعاته السياسية والاجتماعية والحضارية، قد وضعها محلّ شك وريبة، خاصة حيال ما تدبِّر له بعيدا عن الأنظار والمحاسبة، في ما تدّعي أنه “الجيل الثاني من الإصلاحات” قد علمنا على لسان وزيرة التربية الفرنسية أنها تعلم منها ما لا يعلمه الجزائريون، حتى ندرك في الوقت بدل الضائع أنها حربٌ من “حروب استرداد” قائمة تحت رايات الإصلاح الكاذبة على حصُون التعريب في المنظومة التربوية.