“حزب واحد” بلا هوية من سدنة الأوليغارشية
الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة في فرنسا دشنت بلا شك عهدا جديدا في الديمقراطية الغربية الباحثة عن مخارج لأزماتها المركبة، وقد دخلت مرحلة إعادة تدوير مشهدها السياسي الحزبي من مخلفات أحزاب تقليدية تآكلت هوياتها وتسفَّل أداؤُها، ولم تعد ينتجها الصراع التقليدي بين القوى الاجتماعية بل صارت محض صناعة بأدوات التسويق.
بعد الانتصار الباهر الذي حققه الشاب المغمور ماكرون في الرئاسيات، جاءت نتائج الدور الأول من التشريعيات لتمكن حزبه الفتي “إلى الأمام” المشَّكل من “المؤلفة قلوبهم” من الأحزاب المهزومة، تمكن من حصاد ثلث أصوات الناخبين، ويتوقع حصاد أغلبية واسعة في البرلمان الفرنسي القادم.
من أكثر من زاوية، لا يختلف ظهور هذا الكيان الهجين، وتمدده واستبداده في زمن قياسي بأهم موقعين للسلطة في فرنسا عن ظاهرة تصنيع أحزاب السلطة في الدول النامية، بل إن صناعة حزب السلطة مثل “التجمُّع الوطني الديمقراطي” احتاجت إلى سنوات من التدبير والتزوير والتسويق حتى يستقر ككيان حزبي، فيما احتاج حزب ماكرون المولد بأدوات “الفاست فود” سوى لبضعة أسابيع ليضع اليد على مؤسسة البرلمان بعد وضع اليد على قصر الإيليزي.
الظاهرة ليست فرنسية محضة، وقد تشهد معظم الديمقراطيات الغربية استنساخاً بتوليد مشهد بديل يوهم الناخب الغربي بالتجديد، مع أن أبرز الشخصيات التي ترشحت عن الحزب الجديد هي من أعلام المشهد التقليدي غادرت بسرعة بواخر الأحزاب المتهالكة من اليمين والوسط واليسار لتلحق بذات ألواح صُنعت قبل الطوفان بأعين أرباب الكاك 40، لتساهم في تشكيل ما يشبه “الحزب الواحد” المهيمن بلا هوية سوى الخضوع التام لرغبات أرباب المال والأعمال.
أخطر ما في هذه الظاهرة أنها كشفت عن قدرة الإعلام الهائلة على تزوير الانتخابات بتزوير رأي الناخب، تماما كما تفعل بتزوير إرادة المستهلِك في المحلات الكبرى، وتسوِّق له ما تشاء متى تشاء، وقد ثبت أن الإعلام الممسوك بيد ست مجموعات إعلامية مهيمنة قادر على صناعة النخب وتسويقها للحكم من غير حاجة إلى مماحكة حول برنامج الحكم، تماما كما نجح في تسويق مشروب البيبسي والكوكا دون الحاجة إلى تزكية أخلاطها.
وفي مكان ما، يكون الرهان الأول في هذه النقلة النوعية في بناء نخب الحكم البديلة في الغرب، إنما على تغييب الهوية الحزبية والمرجعية العقائدية وبرامج الحكم حتى يجري الاختيار على الصورة التي يسهل تسويقها خارج حدود المعتقدات والخيارات الثقافية والفلسفية التي لم يعد لها نصيب في ترجيح الكفة، وربما لأن العولمة بات يضيق صدرها بما احتفظت به الأحزاب التقليدية من مخلفات الدولة القطرية ورموزها الوطنية.
ويبقى هذا شأن الفرنسيين والغربيين وما يهمُّنا كشعوب ودول لها علاقات متشابكة مع هذه الدول هو أن نستبق هذا المنحى وننتقل بسرعة من الرهان القاصر على التداول التقليدي بين اليمين واليسار إلى التعامل مع القوى الفعلية التي تصنع اليوم ملوك وسلاطين الحكم في الغرب، وأنه قبل أن نستقبل بعد أسابيع قليلة الرئيس الفرنسي، علينا أن نسبر أغوار أرباب الكاك 40 حكام فرنسا خلف الستار، ونتدبر إدارة علاقاتنا معهم مباشرة، مادامت العلاقات بين الدول ومؤسساتها التقليدية آيلة عاجلا إلى الزوال لفائدة المؤسسات الاقتصادية والمالية الاحتكارية التي بيدها اليوم تتويج من تشاء متى تشاء لحكم الشعوب بالوكالة.