حزن وأسى.. وذكر لخصال “الدا الحسين” وقرآن حتى مطلع الفجر
جنازة شعبية .. هكذا أراد آيت أحمد وبهذا أوصى، فحرص أبناء دشرته ومنتسبو حزبه جبهة القوى الاشتراكية”، على تنفيذ ما ورد الوصية، فتولوا كل ترتيبات الجنازة، وطغى الحضور الأهلي على الرسمي، ولم يتدخل الرسميون في هذه الجنازة ـ الحدث إلا بالقدر الذي تمليه الضرورة والاختصاص.
وقد أبعد منظمو جنازة الراحل وغالبيتهم من المتطوعين سواء سكان قرية “ايت احمد” والمداشر القريبة منها، إضافة إلى منتسبي جبهة القوى الاشتراكية، الدوائر الرسمية من عملية التنظيم، لأن الجنازة أراد لها صاحبها أن تكون شعبية وشعبية لا غير .
كيف تحولت “آيت احمد” إلى القرية الأكثر شهرة
قبل أسبوع فقط، كانت دشرة ايت أحمد، كغيرها من مداشر الجزائر، “ربوة منسية”، لا يعرفها سوى سكانها، لكن القرية الهادئة الواقعة بجبال جرجرة، تحولت إلى أشهر قرية في الجزائر، لا لسبب إلا لأن واحدا من أهم رجالات الجزائر، سيعود إليها، هذا الرجل لم يكن سوى ابنها حسين آيت أحمد الذي ولد فيها ذات يوم من 1926، واختار أن يرتاح من هموم هذه الدنيا في قبر والدته “بن قداش ياسة” التي غادرت هذه الدنيا قبل 32 سنة.
استبق عدد من المدن في شرق العاصمة، جنازة “الدا حسين”، بإلصاق لافتات تشيد بخصال الرجل ومناقبه، لكن كانت العبارة الأكثر تداولا: “ارتح في سلام الدا الحسين”.. هذا هو الحال في تيجلابين والناصرية، وتادميات، ومن تيزي وزو إلى عين الحمام ومنها الى ايت يحيى، وحتى دشرة “ايت احمد”، ومثلما كانت اللافتات على المحلات والجدران، كانت للسيارات نصيب منها.
حضور أمني في السرّ والكتمان
ورغم “الهالة” الكبيرة التي أحاطت طيلة الأسبوع الماضي بموضوع الموكب الجنائزي من مقر جبهة القوى الاشتراكية أقدم حزب معارض في الجزائر بالأبيار إلى أعالي العاصمة، الى قرية ايت أحمد، في شقه الأمني خشية أي سيناريو غير متوقع ممكن الحدوث، والتسريبات والمصادر التي تحدث عن 3 آلاف و5 آلاف عنصر أمني سيتولون التغطية الأمنية لم يكن ذلك ظاهرا للعيان، من العاصمة وحتى مسقط راس الدا حسين، اللهم بعض سيارات الحماية المدنية، التي كانت مركونة في جنبات الطريق بداية من الناصرية.
.. وهي المدينة الفاصلة بين ولايتي بومرداس وتيزي وزو، مع وجود معتبر لعناصر الشرطة في مدينة مقلع، والتي كانت في مهمة فك بعض الاكتظاظ المروري، وحتى مدخل قرية ايت احمد كان التواجد الامني “بسيطا” فسيارتان سوداوان لعناصر البحث والتحري، وعدد أكثر من سيارات الشرطة لكن التواجد الأكبر كان للحماية المدنية، فالعشرات من سيارات الإسعاف وشاحنات التدخل، بل تمت إقامة عيادة ميدانية في عين المكان للتعامل مع أي أحداث ممكنة الوقوع، وكان ضابط برتبة عقيد يتولى إسداء الأدوار ويقف على كل صغيرة وكبيرة، لكن الحضور الأمني وفق إرشادات القيادة أريد له أن يكون خفيا.
في حدود الواحدة زوالا من يوم الخميس، كان والي الولاية، قد وصل إلى مكان إقامة صلاة الجنازة، ليقف على آخر التحضيرات، ولأن الأمر يتعلق بشخصية محورية في التاريخ الوطني، ولأن الحضور كان “مهولا” كان يجب تفادي أي خلل، وظل المسؤول التنفيذي يستمع إلى مسؤولي التنظيم، وإمامين كان يتحدث إليهما ويسميهما بـ”الشيخ”، وكان هذا الأخير ينصح ويؤطر، وتم الاتفاق على مسار موحد لخروج المشيعين بعد انقضاء صلاة الجنازة، وعدم إطالة إلقاء النظرة الاخيرة على الراحل، خاصة بحضور الرسميين.
العاصمة، بشار ووهران وأغلب الولايات هنا
كانت العشرات من السيارات مصطفة، عند مدخل قرية ايت احمد، فقد تقرر ابقاؤها بعيدة في محاولة من المنظمين لفك الزحمة المرورية، وفي الطابور اللامتناهي للسيارات، تلحظ لوحات الترقيم من مختلف ولايات الوطن، من العاصمة والبليدة وتيبازة، ووهران وتلمسان وسطيف وباتنة وبسكرة.
وإن كانت اللغة الامازيغية الغالبة في الأحاديث، تترامى إلى مسامعك عبارات تعرف أن قائلها من خارج منطقة القبائل، فابن الباهية وهران برحو مختار، قدم الى المكان قبل يومين وصار واحدا منهم، ويذكر لـ “الشروق” سبب حضوره “لم اكن اعرف قرية ايت احمد، لكن قررت ان احضر الجنازة وأقدم واجب العزاء في احد اهم رجالات الجزائر”، مختار لا يحس نفسه غريبا “قدمت لوحدي، وأحس نفسي بين اهلي وعائلتي في وهران“.
نفس الخواطر تقريبا يتقاسمها ابن مدينة عين تسرة بولاية برج بوعريريج السيد بوعنيبة، الذي قدم مع عدد من أصدقائه المقيمين بالولاية وخارجها، لتقديم واجب العزاء.
ومن بشار حضر غازي عبد القادر، الذي أسهب خلال حديثه للشروق، في وصف حبه لأيت أحمد وتأثره بشخصه، ويقول بهذا الخصوص “آيت أحمد لم يمت هو في قلوبنا”، وبعد 13 ساعة استغرقتها رحلته على متن الحافلة، من عاصمة الساورة إلى عاصمة جرجرة بلغ آيت يحيى، أين وجد حسب قوله أجواء وطنية أضاف “الناس عنا تهلاو فينا فنعم الكركم ونعم الأصالة، قد وجدنا فيهم ضمائر حية وقلوب طاهرة”. وجلب غازي الأنظار إليه وتحلق حوله الكثيرون، عندما كان يلقي قصيدة نظمها في رثاء حسين آيت أحمد، بعنوان “آه يا نوفمبر”، عدد فيها مآثر الفقيد، وأشاد بنضاله.
ومن حي القصر العتيق بورقلة التقينا بعبد القادر أوزيان ـ 52 سنة ـ وهو إطار في مديرية البرمجة ومتابعة الميزانية، جلب معه زيه الكشفي الذي يعتز به، ليرتديه خلال الجنازة، مدفوعا بحبه للفقيد، الذي غرسه فيه والده الذي احتك بأيت أحمد، ويقول عبد القادر “والدي كان يعمل في ميناء الجزائر، وخلال إقامته بالعاصمة، تعرف إلى المناضل والزعيم حسين آيت أحمد، وكان دائما يحدثنا عنه وعن نضاله السياسي وكذا استماتته في الدفاع عن حقوق الإنسان.
ومن بين الحضور شاب في بداية العشرينات، لحية خفيفة على وجه، ورداء أبيض انه ركيس محمد، ابن مدينة خميس مليانة، محمد طالب قران في زاوية سيدي علي بوناب، بولاية تيزي وزو، قدم إلى القرية لترتيل آيات بينات من الكتاب الحكيم على روح الراحل ايت احمد، وبعض التسابيح ومنها “الله الله.. يفنى العبد ويبقى الله” “الله الله.. نتمنى يا ربي نروحو لمكة نزور قبر النبي.. رسولنا عليه الصلاة والسلام يشفعنا يوم القيامة“.
هذا وجه الشبه بين أيت احمد وابن باديس
وضع منظمو جنازة المجاهد حسين ايت احمد، كل الترتيبات، للتعامل مع “جحافل” المشيعين، حيث نصبت خيم عملاقة لوقاية الحاضرين من أشعة الشمس، إضافة إلى نصب الأضواء الكاشفة، ولتفادي الزحمة، أثناء صلاة الجنازة ونقل النعش من مدخل القرية إلى القبر الواقع على 3 كم، تم وضع شاشة عملاقة، للتيسير على الحاضرين، وكانت هذه الشاشة الرابط الوحيد الذي مكن المعزين من تتبع مسار وصول نعش الراحل من مطار هواري بومدين بداية من الرابعة زوالا، وحتى إلى مقر الأفافاس في نهج سويداني بوجمعة
وفي آخر الساحة، تم وضع صور ضخمة للراحل ايت أحمد كتب عليها اسمه بالعربية والأمازيغية والفرنسية، ومن تحته تاريخ الميلاد والوفاة، وتحولت الصورة الى “محج” الجميع يتسابقون إليها لأخذ الصورة مع الراحل، وبدا اختيار الصورة موفقا جدا، حيث كانت يد ايت احمد على خده، وهي الصورة التي اشتهر بها رائد النهضة الجزائرية العلامة عبد الحميد بن باديس.
زاوية “الأشراف المرابطين” تتوشح بعلم الشهداء
وبرزت مظاهر التنظيم المحكم للجنازة، عشية تشييعها، وهو التنظيم الذي تتولاه جهات أهلية، فيما كان التدخل الرسمي، بدرجة أقل بقدر ما تمليه الضرورة والاختصاص وهذا طبقا لرغبة الفقيد وما أوصى به في هذا الشأن، وكذا حرص أهله ومناضلي حزبه على جعلها جنازة شعبية، وهو ما كان، حيث ظهر ملامح هذا البعد الشعبي، في تدفق مواطنين من مختلف الولايات والمشارب، فرادى وجماعات على دشرة آيت أحمد، وهي قرية تحمل اسم عشيرة الفقيد.
وطوال الليل لم تنقطع حركة السيارات على الطريق المؤدية إلى دشرة آث أحمد، التي تحمل اسم عائلة الفقيد، وكان شباب متطوعون من أبناء القرية، يتولون تنظيم توقفهم في الساحة المعدة لتأبين الفقيد وأداء الصلاة عليه، على بعد 2,5 كلم من مركز الدشرة، التي مُنع على السيارات ولوحها، مقابل هذا سخرت حافلات لنقل الأشخاص من وإلى القرية، وكان التنظيم المحكم، يطبع تسيير المتطوعين للحشود الكبيرة المتقاطرة على الدشرة، التي تحتضن مساكن العائلة الكبيرة لحسين آيت أحمد، زاوية الشيخ محند اولحسين جد الراحل آيت أحمد، أين ووري الثرى في القبر الذي تثوي فيه رفات والدته، طبقا لما اوصى به. وعلى الجدار الذي يقع القبر أسفله أسدل علم وطني عملاق.
ومن رحمة ربي وكرم الراحل.. شبع الجميع
ورغم الأعداد الكبيرة، التي غصت بها ساحة القرية، فقد تم التكفل بالجميع، وتوفير وجبة العشاء، التي أعدتها نساء القرية، متمثلة في الكسكس، جريا على العادات الجزائرية في مثل هذه المناسبة، كما لم ينقطع توزيع القهوة والشاي والمياه المعدنية، على الحاضرين. وبعد وجبة العشاء، انطلقت أصوات الشيوخ والشباب من أبناء المنطقة تصدح بالمدائح والأناشيد الدينية الذين انتظموا في حلقة، وحف بهم الكثير من الحاضرين، فيما فضل آخرون “الطواف” حول الشيوخ ممن عايشوا آيت أحمد، وعرفوه عن قرب، ومضوا يسردون مناقبه ويتحدثون عن تاريخه وعن تاريخ عائلته، المنحدرة من “الأشراف المرابطين”. كما توافد المقرؤون الذين يرتلون القرآن الكريم “الطُلبة” وكثيرون منهم قدموا من الزوايا القرآنية، الكثيرة في “بلاد الزواوة”. فضلا عن المدح والترتيل ورفع المشايخ أكف الدعاء، حيث سألوا الله المغفرة والرحمة لآيت أحمد، وكل الحاضرين، كما سألوا الله أن يحفظ الجزائر، ودعوا الحاضرين إلى الحفاط على وحدة الوطن.
وحل بمجلس العزاء عدد من الشخصيات، من بينها الفنان لونيس آيت منقلات، المحامي مقران آيت العربي، وناصر نجل الرئيس الراحل محمد بوضياف، الذي طغى عليه الانفعال، وهو يلقي كلمة عدّد فيها مناقب رفيق والده في الكفاح، وعده الأقرب إلى الرئيس المغتال، من بين رفاقه في السجن، بعد حادثة قرصنة الطائرة.
كل الأمكنة قابلة لأن تتحول إلى مراقد
مع مرور الساعات، بدأ التعب ينال مع الحضور، وكثير منهم قدم من أماكن بعيدة، والسفر قد نال منهم قد وصولهم الى قرية ايت احمد، فكان لزاما عليهم، البحث عن مكان يؤوون اليه، خاصة وان درجات الحرارة كانت منخفضة، من ساعفه الحظ وجد بيوت القرية قد فٌتحت، وحتى المصلى الصغير الذي خصص للنساء، لم تقدر على استيعاب النسوة، ولأن البيوت لا يمكنها استضافة الجميع، والذين كانوا بالمئات، ولذلك كانت السيارات الحل الأمثل للكثيرين، لأن المهم بالنسبة لهم أخذ قسط راحة، في أي مكان، وحتى على كرسي، في انتظار وصول الموكب الجنائزي ودفن الزعيم حسين آيت احمد، ولسان الجميع “رحم الله الراحل وأسكنه فسيح جنانه، وثبت الأجر للجميع“.


