حسابات وهمية تنشر العنف والتجريح وتتعدى على حرمة الأفراد
أصبح امتلاك الفرد لحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي يقابله بالضرورة تعرضه للتنمر، عبر التعليقات أو الرسائل المكتوبة أو الصوتية.. فلا أحد بات ينجو من خطاب الكراهية عبر هذا الفضاء المزدحم بالمكبوتين ومرضى النفوس، وأصحاب الاضطرابات، وحتى الحاقدين على الأنظمة السياسية والتعليمية والاقتصادية.
أنت هنا على هذه الشبكة العجيبة لتستقبل الأفكار، لتنشر أخرى، حتى أفكارك التي تدافع عنها بأسلوبك الذي تراه منطقيا، هي بالنسبة إلى البعض هجوم أو تنمر على فكر آخر، أو نشر لخطاب الكراهية، شئنا أم أبينا، هذا هو المنطق الذي بات يحكم مواقع التواصل الاجتماعي.
التمييز العنصري آفة عريقة تنشرها التكنولوجيا
لطالما اعتقدنا أننا في مجتمعاتنا المعاصرة منشغلون عن آفة التمييز بين الأعراق والألوان والأجناس، بينما في الواقع يمارس أغلب الناس أشكالا مختلفة للتمييز، عبر هواتفهم، في أماكن العمل، والدراسة، وفي المنزل، مع العائلة أو الأصدقاء، وبعد الانتهاء للتو من أداء العبادات.
بحسب خبراء، لقد نجحت التكنولوجيا، والكم الهائل من المحتويات المتدفقة عبرها، في رفع الحجاب الذي كان يمنع الناس من ممارسة عنصريتهم حيال بعضهم البعض. يقول أستاذ علم الاجتماع لزهر زين الدين: “يدخل التمييز العنصري اليوم ضمن حرية التعبير، الجميع بات بإمكانه انتقاد مشارب الآخرين وعاداتهم ومعتقداتهم علنا أو متخفيا خلف حسابات وهمية، يفرغ عبرها مكبوتاته وسمومه الفكرية دون أن يحاسبه أحد”.
نبيلة 27 سنة، ناشطة عبر موقع يوتيوب، عملت بجد لتحضير محتوى ثري وعرضه عبر قناتها الفاعلة، وما إن توسعت رقعة مشاهدات فيديوهاتها حتى بدأت الرسائل والتعليقات تنهال عليها، من ضمنها انتقادات هدامة لاذعة للهجتها الشاوية، والبعض يصفها بالمتخلفة والرجعية، باستثناء فئة قليلة اهتمت بالمحتوى وثمنت جهودها، تقول نبيلة: “في البداية، فكرت بتقديم شكاوى على كل الأشخاص العنصريين الذين انتقدوا أصولي وميزوني عن أقراني لشكلي أو للهجتي ولغتي البسيطة، لكن عددهم كان يتزايد يوميا، كانوا جيشا من المتنمرين الأشرار، والمنافسين غير النزهاء”.
من هنا تحرك الجريمة وينتشر العنف
انتشرت موضة مشاركة الحكايات الشخصية، والقصص الواقعية عبر صفحات ومجموعات مواقع التواصل الاجتماعي، يرغب أصحابها في الفضفضة فقط، أو في الحصول على توجيه للمعاملة مع الشريك او مع الأقارب والأصدقاء والزملاء.. عادة التعليقات على هذه المنشورات إما عبارة عن تعاطف ومواساة، أو تحريض على العنف والقطيعة والتباعد الاجتماعي، يتحدث الناس بملء أنفسهم كيف لا يجب على المرأة أن تصبر على ظروفها وتكيد لزوجها وتعنف أطفالها، كما على الزوج أن يكون صارما عنيفا كي يثبت رجولته، تقول الأخصائية في علم النفس، نادية جوادي: “أثبتت الدراسات الحديثة أن من بين أهم أسباب توسع الجريمة الأسرية والعنف ضد المرأة مؤخرا، الاحتكام إلى مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مرجعية للكثير، يتأثر الناس بها وبآراء أشخاص مجهولين دون وعي، خاصة مع انتشار قصص يومية للقتل والتعذيب والضرب والخيانة.. مع وجود مناصرين لها يشجعون هذه الأفعال”.
حسابات وهمية مأجورة وأخرى للتسلية وظيفتها التنمر ونشر السلبية
تنوه الخبيرة في الشؤون القانونية المحامية حشام عقيلة إلى أن ما يحدث اليوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعيدا عن أعين الرقابة هو شكل من أشكال الإرهاب الذي يجب التصدي له بكل السبل القانونية، مشيرة إلى كم الأذى الذي بات يلحق المجتمع من هذا السلوك النابع غالبا عن حسابات وهمية يسعى أصحابها لنشر السلبية بمختلف أشكالها، كما وضحت الأستاذة حشام أنه على كل مواطن جزائري يستخدم مواقع التواصل الاجتماعي، ويتعرض لمحتويات تدخل ضمن خطاب الكراهية، أن يكون على اطلاع بأنه محمي بموجب قانون عقوبات بلده، الذي يهدف من خلال المادة 20-05 إلى وقاية الأفراد من التمييز والازدراء والإهانة والعداء والبغض أو العنف الموجهة إلى شخص أو مجموعة أشخاص على أساس الجنس، العرق، اللون، النسب، الأصل القومي، اللغة، الانتماء الجغرافي، الإعاقة أو الحالة الصحية، أيا كان نوع هذا الخطاب مكتوبا أو سمعيا، إلكترونيا، أو مباشرا..