حساسية.. حتى من المذكرات
أعادت وفاة رئيس المجلس الأعلى للدولة، السيد علي كافي، الحديث عن كتابة المذكرات في الجزائر، وأغرب ما في فتح هذا الملف أن وزير المجاهدين، وعددا من الأساتذة والمؤرخين خاضوا فيه بين متخوّف من تبعات نشر المذكرات، وبين داع لجعلها خاتمة مسار لكل شخصية صنعت أو عايشت حقبة مهمة في تاريخ الجزائر، وقد تكون الجزائر البلد الوحيد الذي تُراقب فيه المذكرات، وتحذف منها بعض الفقرات، وأحيانا يُمنع صاحبها من نشرها أصلا، وكأن كاتبها مؤرخ أو قاض يصدر أحكاما، رغم أن المذكرات مجرد كتابة ذاتية يتم خلالها تسجيل مواقف ولحظات عاشها كاتبها، لا تزيد عن كونها بوحا إنفعاليا حتى وإن أخذت طابعا فكريا، ولا يمكنها أن تكون تاريخا يدرّس للطلاب ويأخذ منه الجزائريون أخبار الماضي باليقين، بدليل أن المذكرات التي ظهرت في الفترة الأخيرة، لم تزد خطوة خلف أسوار معارض الكتب، إن لم تكن غالبيتها قد انطفأت مثل مقال صحفي يُطفئه مقال آخر.
والذين فكّروا في كتابة مذكراتهم بعد تجربة الراحل علي كافي، سيكون أمامهم أحد السبيلين إما العدول عن الفكرة أو تنقيح ما يكتبونه، وعندما يكذب كاتب المذكرات في كتاباته، فإنه سيكذب على نفسه ويشوهها قبل أن يكذب على القارئ، رغم ما في هذه المذكرات من فائدة أولها استفزاز الصامتين لأجل أن يقولوا هم أيضا، وللأسف فإن الجزائر التي عجزت عن كتابة تاريخ ثورتها حتى أن عدد الكتب التي تتحدث عن الثورة الجزائرية في فرنسا، هو عشرة أضعاف الكتب التي صدرت في الجزائر، تجد صعوبة في دخول عالم كتابة المذكرات، رغم أنه نوع أدبي مارسه الجزائريون منذ القدم، من عهد الأمير عبد القادر، الذي كتب مذكراته في سوريا بقلم جد الزعيم الإنجليزي تشارشل، إلى عهد مالك بن نبي، الذي سجل مذكراته وشهادته على القرن في جزءين.
علي كافي هو الرئيس الخامس في الجزائر الذي يغادرنا، بعد بومدين وبوضياف وبن بلة والشاذلي، دون أن يقول ما نريد أن نسمع، أو يكتب ما نريد أن نقرأ، وعندما تصبح كتابة المذكرات مشكلة رغم أنها كما قال جون جاك روسو، “هي حكي مع الذات أو تفكير بلون الحبر أو حديث مع النفس”، فكيف سيكون الحال عندما ينطلق الجزائريون في كتابة تاريخهم الثوري وتاريخ محنتهم مع الفتنة، والذي من المفروض أن ينقل البطولات كما ينقل الهفوات، وينقل الأخطاء ويسمي مرتكبيها؟ لأن اللون الأبيض الذي يظهر في غالبية الكتابات التي تمجّد الأشخاص وتجعلهم مثل الأنبياء معصومين من الخطأ، وتصف الأحداث بما يشبه المعجزات والكرامات، سيلوّنها المتلقي بالسواد مباشرة، ويجد نفسه مجبرا على مواصلة أخذ تاريخه من غيره، خاصة أن كل زعماء الجزائر ومشاهيرها كانوا ومازالوا يفضلون أن يقولوا مع الآخرين، مع أنهم ساهموا في إنجاز معاهد الاعلام والإتصال والتاريخ والعلوم السياسية التي تنتج سنويا طوفانا من الشهادات الورقية.
في كل معرض دولي للكتاب، يجد الجزائريون مذكرات مونتغومري وتشرشل ونيكسون وديغول وكيسنجر، وبعضها عمره قارب القرن ولا يجد وربما لن يجد مستقبلا مذكرات ساسته.