حسين الخليل: شطحاتٌ سقيمة باسم التنوير
أبى حسين الخليل الشاب السوري إلا أن يلتحق بحزب التنويريين الذين يظنون أنهم أساطين العقل وأن المشيئة الإلهية قد اختارتهم لـتصحيح الفكر الديني المعتل وإزالة الأوهام التي ألصقها رجال الكهنوت -كما يصفونهم- بالدين الذين جعلوا من بعض معتقداتهم الموروثة شريعة ربانية يحكم إليها.
حسين الخليل واحدٌ من المريدين المتأخرين الذين انضموا إلى “السلسلة الذهبية التنويرية” التي يخيل إليك من تمجيدها للعقل أنها عقلانية أكثر من العقل نفسه وأن مهمتها عقلنة التراث الديني وجعله مادة أدعى للقبول في عصر يهيمن فيه العقل على النقل وتهيمن فيه الفكرة على الفطرة.
إن حكاية “عقلنة التراث” حكاية قديمة وأبطالها أشخاص مولعون بالأنا الفكري -إن صحَّ التعبير- الذي يجعلهم يتوهمون بأنهم الأنضج فكرا والأرجح عقلا وبأن غيرهم على ختم الله لا يفقهون شيئا ولا يرجعون قولا. إن عقلنة التراث فكرة بريئة في ظاهرها خطيرة في حقيقتها؛ فالغاية منها ليس استخدام العقل في تجلية ما أشكل من أحكام الدين وحكم التشريع مما لم يدركه الفقهاء والمفسرون في العصور الخالية، بل الغاية منها التلبيس على المسلمين وتشكيكهم في دينهم ونصوص شريعتهم من بوابة العقل وكأن هناك خصومة بين العقل والدين، فالإسلام الذي توجَّه إليه سهام التنويريين والحداثيين هو الدين الذي جعل من العقل أداة لفهم العقيدة وزاوجَ بين العقل والنقل في هذا الجانب، فلا تعارض كما يقول أبوحامد الغزالي رحمه الله بين صحيح النقل وصريح العقل.
يقول حسين أحمد الخليل عن نفسه: إنه من الجمهورية العربية السورية، وُلد في مدينة الرقة عام 1983 “إنسان عادي ذو خلفية سلفية، أبحث عن الحقيقة بعيدا عن الآبائية والتلقين والتدجين. أؤمن أن العقل هو مناط التكليف. أؤمن بالقاعدة التي تقول: الجدالُ والنقاش مع المغيَّبين عن الواقع، مضيعةٌ للوقت، قل الفكرة واترك لهم حرية التفكير، إن كان لهم عقلٌ يفكر. مشغولٌ بطرح فكرتي، لا بإثباتها لمن لا يريد أن يفهمها، وقتي أثمن من أن يُستهلك في الردود، فهدفي البناء لا الجدال. أشارك، لا ألتفت لمن ينتقدني لمجرد النقد، فتركيزي منصبٌّ على من يبحث لا على من يُهاجم. أؤمن أن الفكرة الجادة تُطرح وتمضي، لا تنتظر إذنا ولا تدخل معارك جانبية. الدين والفكر وسائل، أما الغاية فهي الإنسان، لذلك أضع الإنسانية فوق كل انتماء”.
يستخدم حسين أحمد الخليل الفكر الحرّ رمحا وترسا في آن واحد، رمحا يرمي به الآخرين، وترسا يتقي به كل انتقاد لما ابتدعه في مجال الاعتقاد، وهو بهذا الاستخدام المزدوج يبين عن هويته الفكرية التي تتوارى وراء حرية الفكر لتبرير كل الهرطقات، فهو يرى أن ما يعتقده هو في النهاية فكرة، والفكرة هي وليدة فكر قائلها فلا يضيره أن يقبلها الآخرون أو يردوها، فالحكم بينه وبينهم كما يقول هو العقل، فمن أعمل عقله اهتدى إلى الحقيقة، ومن عطل عقله عمي عنها، وكأنه يتخيل نفسه في برج عال يجب أن يرتقي إليه الآخرون إن أرادوا إدراك الحقيقة ناصعة جلية وهجروا ما توارثوه من معتقدات لا تصمد أمام النقد، فهو بهذا يؤدي دور المنقذ من الضلال الذي يريد بالإنسان أن يرقى بعقله لفهم القضايا الكبرى المستترة التي عزبت عن عقول علماء التراث فهو يزعم أنّه يقدم قراءة عقلية للنصوص القرآنية في حين أن تعامله معها لا يختلف عمَّا فعله الأحبار والرهبان الذين حرفوا الكلم عن مواضعه وهم يظنون أنهم يُحسنون صنعا.
إن النص القرآني يحمل في طياته عناصر القوة والإعجاز وله أهله العالمون بأحكامه المدركون لحكمه ولا يحتاج إلى “عيل” مثل حسين أحمد الخليل لكي يحدِّثنا عنه أو يعيد تكرار المكرَّر واجترار المجترّ من كلام من سبقوه من التنويريين الذين أرادوا عقلنة التراث فخرجوا عن الجادة وأخرجوا لنا فكرا معتلا يمجُّه العقل ويرفضه كل عاقل.
إن العقل هو النافذة التي يتسلل منها حسين أحمد الخليل ومن سبقوه في هواية ركوب العقل لتبرير سخافات وترهات لا تمتُّ إلى العقل بصلة، فالعقل قائم على صحة التأسيس لا على هواجس الفكر التي تجنح بصاحبها عن الحقيقة وتدخله في متاهات الرأي السحيقة التي لا توصل إلى الحقيقة ولا يمتلك صاحبُها أدوات البرهان.
لحسين أحمد الخليل كتبٌ قال عنها مادحوه إنها كتبٌ في القمة لأن صاحبها -في نظرهم- خرج عن المألوف وكسر الطابوهات وتصدى للإجابة عن الأسئلة الحرجة والمحيِّرة التي تتعلق بالذات الإلهية على غرار كتابه: “من خلق الله؟ مقاربة عقلية لأسئلة الوجود”. أراد حسين الخليل أن يُشفي غليل الملحدين بالإجابة عن السؤال المحير: من خلق الله؟ فيكون له به عندهم فضلُ السبق وقدم صدق فوجد نفسه يدور في حلقة مفرغة قوامها فرضيات وجودية لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تفضي إلى إدراك سر الكون وحقيقة الوجود. لقد سبق حسين الخليل إلى هذه الهرطقات الفلسفية كبارُ الملحدين والوجوديين المهتمين بقضية الوجود فأعيتهم الفكرة وخانتهم عقولهم عن الوصول إلى الحقيقة وبقوا يدورون حول أفكارهم كما يدور الحمار حول الرحى. إن الذات الإلهية ذاتٌ علوية لا يمكن للعقل إدراك كنهها ولا الإحاطة بشيء من أسرارها ومن ثمّ فإنه من الجهد الغبين السؤال عنها ناهيك عن الخوض في طبيعتها وماهيتها. أعاد حسين الخليل في كتابه: “من خلق الله؟” الأسئلة المحيِّرة له ولغيره وليس لنا نحن المؤمنين بقوله تعالى: “قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد”. ومن هذه الأسئلة التي تضمّنتها فصول الكتاب: من خلق الله؟ وهل الله مادة؟ ومن أوجد الوجود؟ وأين الله؟”. أسئلة لم يجد لها الملحدون جوابا أعاد حسين الخليل بعثها والنفخ فيها وإعادة تسويقها بين العوامّ، وفي النهاية انتهى إلى ما انتهى إليه من سبقوه بأن الذات الإلهية فوق العقل وفوق التصور ناهيك عن أن تكون مادة للبحث وموضوعا للتفكير. لو اكتفى حسين الخليل بسورة الإخلاص لكفته وكفت عنه عناء البحث في موضوع لا يسع العقل ولا يخضع للتجربة العلمية.
لحسين الخليل شطحاتٌ كثيرة هو فيها مقلِّدٌ لا أقل من ذلك ولا أكثر، ومن هذه الشطحات قوله إن “الصلاة ليست فريضة” وحديثه عن “الصلاة الحركية” و”الصلاة الروحانية” في محاولة لتضليل العوامّ، ودليلُ حسين الخليل على عدم فرضية الصلاة أن الله سبحانه وتعالى سماها “كتابا موقوتا” كما أن صيغة الأمر لا تعني الفرضية لأنه ليس كل صيغة أمر في القرآن تفيد الوجوب. أقول لحسين الخليل ما قاله أبو حنيفة رضي الله عنه: “الآن آن لأبي حنيفة أن يمدَّ رجليه”. إن القول بأن قوله تعالى: “إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا” (النساء 103) لا يدل على فرضية الصلاة هو منتهى الخبل والدجل والجهل، فهذه الآية مسبوقة بفوله تعالى: “فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة” (النساء 102) والأمر هنا يفيد الوجوب والقاعدة عند الأصوليين أن “الأمر للوجوب إلا بقرينة صارفة لغيره”، بذلك قال أهل العلم كالحافظ ابن قدامة الحنبلي في “روضة الناظر وجنة المناظر” والخطيب البغدادي في “الفقيه والمتفقه” وغيرهما.. فالأمرُ بإجماع الأصوليين يفيد الوجوب ما لم تصرفه قرينة إلى غيره إلى الندب أو الإباحة أو غيرهما. إن الأمر بالصلاة يندرج ضمن صيغة الأمر المتجردة عن القرائن والذي يفيد الوجوب أي الفرضية، ثم إن الكتاب في الآية يعني الفرض، بذلك قال ابن عباس رضي الله عنه وغيره.
ومما أضحكني ما قاله حسين الخليل عن الجنة إذ اتهم من يسميهم “رجال الكهنوت” وهم علماء الدين إذ ليس في الإسلام كهنوت ولا رجال كهنوت ولا رجال دين، اتهمهم باحتكار الجنة وحرمان الآخرين منها، وهذا شيءٌ مضحك وسخيف وساذج، فالحقيقة أن هذا قول اليهود والنصارى وليس قول المسلمين: “وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” (البقرة 112). فالجنة لمن عبد الله ولم يشرك به شيئا، فلا يعقل أن يدخل الجنة من يعبد الحجر والشجر والبقر. إن الجنة مأوى للصالحين وليست مأوى للمشركين والمثلثين والمجسِّدين والمفسدين. إذا أراد حسين الخليل الإنساني -كما يصف نفسه- أن يكون رحيما بالبوذي والكونفوشيوسي وغيرهما فليعدد لهم جنة من خياله، أما جنة الله فمحرمة عليهم وعلى أمثالهم.
إن عقلنة التراث فكرة بريئة في ظاهرها خطيرة في حقيقتها؛ فالغاية منها ليس استخدام العقل في تجلية ما أشكل من أحكام الدين وحكم التشريع مما لم يدركه الفقهاء والمفسرون في العصور الخالية، بل الغاية منها التلبيس على المسلمين وتشكيكهم في دينهم ونصوص شريعتهم من بوابة العقل وكأن هناك خصومة بين العقل والدين، فالإسلام الذي توجَّه إليه سهام التنويريين والحداثيين هو الدين الذي جعل من العقل أداة لفهم العقيدة وزاوجَ بين العقل والنقل في هذا الجانب، فلا تعارض كما يقول أبوحامد الغزالي رحمه الله بين صحيح النقل وصريح العقل.