حصاد “جيل طاب جنانو”
في الذكرى الـ 64 لثورة التحرير المجيدة، نحتاج إلى وقفة منصفة مع الذات، لا نتوقف فيها عند تمجيد تضحيات آبائنا وأمهاتنا من جيل نوفمبر، الأحياء منهم والأحياء عند ربهم يرزقون، بل يسأل أبناء جيل الاستقلال أنفسهم بما يدينون به لهذا الجيل، وأقله تحرير البلد من أخطر وأبشع استعمار ابتليت به البشرية، وأعلاه إعادة بناء الدولة الوطنية، التي صمدت حتى الآن أمام مسارات التقسيم القديمة والحديثة، ولم تستسلم قط لحملات عودة الاستعمار الجديد، أو تحني الرأس والظهر دون مقاومة لإملاءات القوى العظمى.
دعونا بكل موضوعية ودون نفخ أو غلو نثمن الإنجاز الأدنى لهذه الأجيال المقاومة من آبائنا وأمهاتنا على امتداد قرن وثلث قرن، بمقاومة المحتل دون توقف، ثم بتحرير الأرض من دولة كانت هي التي ابتدعت في العصر الحديث الاستعمار الاستيطاني العنصري، إنجاز هو في جميع الأعراف وسير الشعوب فريد مميز من أكثر من وجه، بالنظر إلى التفاوت الصارخ بين ما توفر للمستعمر من قوة غاشمة وناعمة في دولة كانت تصنف منذ نهاية القرن السادس عشر كقوة عظمية، كان جيش نابليون فيها قد غزا ثلاثة أرباع جغرافية أوروبا ليخيم عند ضواحي موسكو، وقد جند طوال 132 سنة من وسائل القوة ما لم يجنده في باقي مستعمراته، وحشد لإفشال ثورة التحرير وإخمادها ما لم تجنده فرنسا لحماية سيداتها والدفاع عن شرفها في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وبذات الموضوعية والإنصاف وجب علينا أن نثمن ما أنجزه الجيل الذي فجر ثورة التحرير، وتولى قيادة إعادة بناء الدولة الوطنية بوسائل محدودة، وبإرث استعماري ملغم في جميع أوجه الحياة، فنجح في أول امتحان كبير له بصيانة وحدة البلاد والشعب أرضا وشعبا، ولم يفشل كثيرا في استحقاق بناء الإدارات وأجهزة بسط السلطات الملكية للدولة، وتحريك عجلة الاقتصاد، رغم رحيل مليون معمر كانوا ممسكين بالإدارة الاستعمارية مستبدين باقتصاد المستعمرة.
بعضهم قد يتوقف حتما عند النصف الفارغ من الكأس، بتحميل جيل نوفمبر مسؤولية الإخفاق في بناء دولة المواطنة والمتشابه من الديموقراطيات، وتفويت فرصها مع وجود إرث سياسي تعددي محترم من مكونات الحركة الوطنية بما أبدته جبهة التحرير من “استبداد” بفرض نظام الحزب الواحد، واعتماد الاشتراكية، المتعثرة أصلا في بلد النشأة، وبقتلها للمبادرة الخاصة بتأميم الأرض والعقار الموروث عن الحقبة الاستعمارية وتسليمه لأبناء قدامى “الخماسة”.
قلة قليلة من المنصفين قد تجازف بالدفاع عن اجتهادات وخيارات جيل نوفمبر كانت قد صيغت واعتمدت في الغالب تحت ضغط الوقت والتصدي لاستحقاقات عاجلة، لم تكن لها حيالها خبرة متراكمة، مع قلة الكادر الوطني، وبخزينة شبه فارغة حتى بعد تأميم المحروقات، وربما قد لا تؤاخذ جيل نوفمبر حتى بما اقترفه من استبداد واحتكار مفرط للسلطة، مع غياب الثقة حتى يومنا هذا في أهلية المواطنين لممارسة سلطة اختيار من يحكمهم.
مدار الأمر عند الحكم النزيه المنصف على هذا الجيل يكون بإنجاز موازنة عادلة بين نصفي الكأس، وفي حالة جيل نوفمبر ـ الذي يشمل في تقديري جميع الأجيال المشاركة في المقاومة منذ إنزال سيدي فرج وحتى رحيل آخر معمر، فإن كأس إنجازات المقاومة والتحرير ملآنة وزيادة، وكأس إعادة بناء الدولة الوطنية تكون بالضرورة نصف ملآنة أو نصف فارغة، حسب موقع التقدير من مرصد المولاة أو من مرصد المعارضة.