حصاد ما بعد “عاصفة الحزم”
عاصفة الحزم التي بدأت خارج الشرعية، وسوف تتواصل بغطاء قرار أممي تحت البند السابع، لم تنه السيطرة الحوثية كما لم تُعِد الشرعية، لكنها تكون قد حققت أهدافا جيوـ إستراتجية كثيرة، عمدت إليها السعودية كرأس لمحور عسكري عربي يُستنفر للمرة الأولى أمام التمدد الإيراني، في انتظار اجتياز الاختبار الفاصل في قضية العرب الأولى، وتعديل الكفة مع الكيان الصهيوني.
من دون سابق إنذار، أوقفت “عاصفة الحزم” بعد أربعة أسابيع من القصف اليومي المركّز لمواقع قوات الحوثيين وحلفائهم في الجيش اليمني، دون أن يُحسم الموقف عسكريا، حتى وإن كان في الخفاء قد ساعد على تليين بعض المواقف، وظهور استعداد غير معلن للدخول في تسوية.
جميع الأطراف كانت تبحث في السرّ عن طرف يُنزلها من الشجرة؛ فالسعودية لم تكن بحاجة إلى إطالة عمر حملة عسكرية ضد بلد عربي فقير، موبوء بالفتن والحروب، ليس فيه بنك أهداف عسكري يحتاج إلى أكثر من أسبوع من القصف، وثبُت أن الحوثيين قد فقدوا في الأسبوع الأول القدرة على نقل التهديد إلى أراضي المملكة السعودية، كما كان يهدد بذلك عبد المالك الحوثي والأمين العام لحزب الله وقادة إيران، وتأخرت المفاجآت التي توعدوا بها دولَ الخليج، وغاب زعيم الحوثيين عن المشهد منذ قرابة الثلاثة أسابيع، ولم يظهر حتى يوم أمس الأول بعد إعلان السعودية عن وقف “عاصفة الحزم” واستبدالها بما سمي بعملية “إعادة الأمل” التي سيتوقف فيها قصفُ المنشآت العسكرية والبنية التحتية، والاكتفاء بـ“منع القوات الحوثية من تهديد المدنيين” كما قال البيان.
قرابة 2600 قتيل، وآلاف الجرحى هو الثمن الذي دفعه اليمنيون حتى تتحرك على استحياء قوى عربية وإقليمية ودولية لمساعدة اليمن على العودة إلى سبل التسوية السياسية، التي كانت ممكنة قبل سيطرة الحوثيين على العاصمة ومعظم محافظات اليمن، وظلت قائمة حتى بعد فرار الرئيس عبد ربه إلى عدن، وكانت ممكنة في الأسبوع الأول من بداية الحملة، لو لم يركب الحليف الإقليمي للحوثيين بدوره الشجرة، وسارع إلى استعراض العضلات، ليضلل حلفاءه، ويغريهم بالمضيّ في مواجهة كانت منذ البداية غير متكافئة.
الضربة القاضية للحوثيين لم تأت من طائرات التحالف، بل نُفذت داخل مجلس الأمن، بتمرير قرار تحت البند السابع، هو الذي سيمنح “الغطاء الشرعي” لمواصلة العمليات العسكرية والحصار حتى يذعن الحوثيون، وقد قطع أمامهم سبل التمويل وتجديد مخزون الذخيرة، كما أفقدهم القدرة على مواصلة تحمّل أعباء إدارة بلد فقير يقطنه 30 مليون نسمة، يحتاج إلى كل شيء، بعد أن دمّر القصف معظم المنشآت القاعدية والخدمية فيه، وحُرمت “الحكومة” القائمة بعد “الانقلاب” من إدارة توزيع المعونات الدولية وتسيير الخدمات.
بعض قادة الحوثيين، والإعلام الإيراني وفروعه في “محور الممانعة“، سارعوا إلى تصدير خطاب يقول بـ“انتصار الحوثيين، وفشل حملة عاصفة الحزم في تحقيق أهدافها المعلنة” وهو خطابٌ حماسي تعبوي ليس أكثر، توقف عند المظهر العسكري للحملة، التي كان الجميع يعلم أنها لن تحسم المواجهة العسكرية، حتى وإن كانت قد حققت الهدف الأول الخفيّ للسعوديين بتحييد القوة الجوية والصاروخية، بل الأرجح أنه لم يكن في نيّة السعوديين إنزال قوات برية، لا قبل ولا بعد بداية الحملة، وقد اكتفت بتعزيز قواتها على الحدود، ولم تشهد الأراضي السعودية وصول أي قوات برية عربية من المشاركين في التحالف، وكان الرهان السعودي منذ البداية على القبائل اليمنية، وما سُمي بـ“المقاومة الشعبية” وعلى ظهور انشقاقات داخل الجيش اليمني، وهو ما حصل، بما يضمن اليوم للتحالف وجود قوات برية من اليمنيين تواصل القتال على الأرض بالوكالة.
من الناحية الجيوسياسية الصرفة تكون السعودية قد حققت من الأهداف فوق ما كانت تسمح به قوتها الذاتية المتواضعة، ودون ما كان يطمح إليه حلفاؤها في اليمن والإقليم. وفي الحد الأدنى، تكون قد نصبت نفسها كرأس قائد لمحور عربي إقليمي معني بإعادة ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.
على المستوى العربي والإقليمي، نجحت المملكة في إقناع تسع دول عربية على رأسها مصر بالمشاركة في حملة عسكرية بدأت خارج أي “غطاء شرعي” عربي أو أممي، أنتجت لها ولبعض حلفائها، سابقة قد تتكرر في مواقع أخرى: في البحرين، أو ليبيا، أو في أي بلد خليجي آخر قد يتعرض لما تعرض له اليمن، وقد نجحت “عاصفة الحزم” في رسم حدود لما هو محرّم على بعض الدول الإقليمية المجاورة للعرب على رأسها إيران، وسوف يتعزز هذا الموقف أكثر مع بداية تشكيل القوة العربية المشتركة، وبناء ما يشبه “نيتو عربي” له نفس الوزن العسكري لإيران وتركيا، أو حتى للكيان الصهيوني، لا يبدو أن القوى العظمى تعارضه وهي تتأهب لاستكمال الصفقة مع إيران، وتحتاج إلى قوة عربية ذات وزن، تعفيهم من التدخل المباشر، سواء لمنع الصلف الصهيوني من المغامرة، أو لتعطيل مسار التمدّد الإيراني، وصرف الأتراك عن أحلام اليقظة باستعادة إرث العثمانيين على حساب العرب.
إنهاء القصف الجوي الذي لم ينهِ الحرب في اليمن، سيساعد الرأي العام العربي على العودة لمتابعة مأساة عربية أخرى ينفذها التحالف الغربي الإيراني في الأنبار والموصل لتحريرها من قبضة “داعش“، حربٌ تُنفذ مثل “عاصفة الحزم” دون أي غطاء شرعي عربي أو أممي، لن تلتفت إلى ضحاياها المدنيين لا المنظماتُ الإنسانية ولا الإعلام العربي والإيراني الذي يكيل مثل الإعلام الغربي بمكيالين.