الرأي

حصون الإسلام الممتنعة على الاختراق

حبيب راشدين
  • 2246
  • 11

في الوقت الذي يجند فيه الغرب ترساناته السياسية والثقافية والإعلامية للطعن في الإسلام، ومحاولة صرف المسلمين عن دينهم، لا تتردد النخب الغربية في توظيف الأساطير المشترَكة في التوراة والإنجيل لدعم مشاريع الغرب التوسعية، ومنحها غطاء تلموديا انجيليا لا تتنكر له حتى نخبهم العلمانية، فيما يضغطون بما لديهم من أدوات السيطرة السياسية والثقافية والإعلامية لحمل نخب الشعوب المسلمة على الطلاق مع الدين، بدعاوى حاجة الحياة المعاصرة إلى الفصل الواجب بين الدين والدولة، قبل الانتقال إلى مرحلة تُجرّم فيها كثيرٌ من الفرائض الدينية عند الفرد تحت العناوين الكاذبة لما يسمى بحقوق الإنسان.

أي ملاحظ نزيه لسلوك النخب الحاكمة سوف يقرّ أن أكثر الحكومات اليوم امتثالا لمبادئ العلمانية وفصل الدين عن الدولة هي الحكومات الإسلامية التي لم تتبنّ في دساتيرها الإسلام كدين للدولة، إلا مُكاءً وتصدية، ما دامت معظم تشريعاتها مستوحاة من التشريعات الوضعية الغربية، وهي في كل الأحوال خاضعة للتشريعات الفوق- قومية التي تصدر عن الأمم المتحدة وملحقاتها، فلا توجد دولة إسلامية واحدة تجرؤ اليوم على تحريم التعامل بالربا، أو تجتهد لإخراج اقتصادياتها من قبضة النظام الربوي العالمي.

على هذا المستوى يكون الغرب قد نجح فوق ما كان يتمنى، خاصة وأنه استمال كثيرا من النخب وطائفة من المشايخ، وكثيرا من النخب التي حملت كذبا مشروع الإسلام السياسي، لتستسلم عند أول “عرض خدمة” لها بأروقة الحكم، لتعلن الفصل بين النشاط الدعوي والعمل السياسي، كعربون عن استعدادها للقبول الطوعي بمبدأ الفصل بين الدين والدولة، تماما كما تخلَّى الاشتراكيون من قبل عن أهم مبادئهم حين فُتحت لهم أبواب المشاركة في الحكم.

وفي الجملة كانت هذه معارك سهلة، امتلك لها الغرب ما تحتاجه من أدوات الضغط والإغراء، والترهيب والترغيب، وقد نُفذت في زمن قياسي ودون كلفة تذكر، وكانت قد نجحت من قبل مع العالم المسيحي بوضع اليد على المؤسسة الكنسية التي تحوّلت منذ “فاتيكان اثنين” إلى أداة لهدم ما بقي من تعاليم المسيحية، ولم تجد صعوبة تُذكر مع بقية المعتقدات البوذية والهندوسية التي لم يكن لها حضورٌ تاريخي يُذكر في الحياة السياسية وإدارة الشأن العام.

لأجل ذلك نرى في العقدين الأخيرين، وتحديدا منذ سقوط جدار برلين، واتخاذ الإسلام كعدو أول، التركيز على استهداف الإسلام كعقيدة وثقافة وحضارة، ليس عبر استهداف الدول بقدر ما يُستهدف الفرد المسلم في سلوكه اليومي، على قدر قربه من العقيدة، وتمسُّكه بتعاليم دينه، مع التركيز على اختراق ثلاثة حصون ظلت منيعة: حصن القرآن الممتنِع عن التزوير والتحريف، وحصن السنة النبوية الشريفة التي تحفظ نصف دين المسلمين، وحصن التكليف الذي يتفرّد به الإسلام بتحريم طاعة أولي الأمر ـ أيا كانواـ في معصية الخالق.

ولأجل ذلك لا خوف على المسلم اليوم وغدا إلا من نفسه، وقد جعل الله كل مسلم أمة قائمة بذاته، كل واحد راع وكل راع مسؤول عن رعيته، وأن “مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰۗ…”.

مقالات ذات صلة