حضور شكلي للمعارضة في البرلمان وحلم النظام البرلماني يتبخّر
أسقطت نتائج الطعون التي كشف عنها المجلس الدستوري، بشأن نتائج الانتخابات التشريعية، مشروع المجلس التأسيسي ومزاياه الكثيرة، وفي مقدمتها النظام البرلماني، وفتحت “الفتوى”، الباب على مصراعيه أمام السلطة، كي تعيد ترتيب أوراقها بأكثر أريحية، بالنظر لعدد المقاعد التي حققها كل من حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، في المجلس الشعبي الوطني المنصب أمس.
وحصل الحزبان مجتمعان بعد ظهور النتائج النهائية على 276 مقعد في الغرفة السفلى، متخطّيان بذلك سقف الأغلبية المطلقة، المقدرة بـ 231 مقعد زائد واحد، ما يعني أنه بات من المستحيل على المعارضة أن تحصُل على مكاسب في الدستور المرتقب تعديله في النصف الثاني من العام الجاري، أو النصف الأول من العام المقبل على أقصى تقدير، إلا إذا تكرّمت عليها السلطة ببعض الفتات وهذا من الأمور المستبعدة.
وبات من المؤكد، أن مصير الأحزاب المطالبة بالتغيير لم يعد بيدها.. لأن المقاعد التي تحصلت عليها في تشريعيات العاشر ماي، أفقدتها قوة المبادرة بالاقتراح، فسقطت من يدها المبادرة بتعديل الدستور دونما حاجة لتدخل الرئيس، ما يشكل انتكاسة حقيقية للمشاريع التي كانت المعارضة قد طرحتها، سيما ما تعلق بمراجعة المادة التي تتحدث عن العهد الرئاسية، وطبيعة النظام السياسي الذي كان مطروحا بقوة في لقاءات الحوار الوطني، الذي أطلقه رئيس الجمهورية الصيف الماضي.
ويعطي الدستور المعدل في 2008، رئيس الجمهورية صلاحية المبادرة بتعديل الدستور، حيث تنصّ المادة 174 على: “لرئيس الجمهورية حق المبادرة بالتعديل الدستوري”، غير أن نجاح المبادرة يبقى مرهونا بمدى حصول المقترح على أغلبية الـ50 بالمائة زائد واحد، كشرط للمرور إلى المرحلة الثانية، المتمثلة في عرضه على الاستفتاء الشعبي في الخمسين يوما الموالية لإقراره، كما تنص على ذلك الفقرة الأولى من المادة السالف ذكرها، وهذا أمر لا جدال فيه، بعد معطيات استحقاق العاشر ماي.
ويوفّر الدستور الحالي للمعارضة أحقية المبادرة بالتعديل الدستوري في حالة واحدة، وهي إمكانية حصولها أو إقناعها ثلاثة أرباع أعضاء غرفتي البرلمان (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة) مجتمعين، كما تنص على ذلك المادة 177 من الدستور، وهذا يتطلب نجاح “دعاة التغيير” في إقناع 347 نائب في الغرفة السفلى على الأقل، وهذا المعطى غير قائم بالنظر لما حققته جميع الأحزاب الأخرى مجتمعة بما فيها الأحرار 171 (مقعد)، حتى وإن سلمنا بأن الكثير من نواب هذه الأحزاب لن يختاروا صف المعارضة. ويتضح مما سبق، أن مراجعة المادة 74 من الدستور، التي تتحدث عن عدد العهدات الرئاسية، باتت تحت رحمة الأغلبية ممثلة في التحالف الرئاسي (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي)، الذي لا يمكن لنوابه أن يقدموا على قرار قد لا يرضي الرئيس بوتفليقة، وبمعنى أدق، أن إرادة الرئيس هي التي ستقرر في النهاية تحديد عدد العهد الرئاسية من غلقها. المعطى الثاني، هو ذلك المتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي سيثار أيضا في التعديل الدستوري المقبل، حيث بات في حكم المؤكد أيضا أن مشروع النظام البرلماني الذي ناضلت من أجله كافة أحزاب المعارضة الجادة، منذ أزيد من سنة، سوف لن يتكرّس في الدستور المقبل، بعد أن انقلب موقف حزب جبهة التحرير الوطني من النظام البرلماني في البداية إلى “النظام الرئاسي أو شبه الرئاسي”، متفقا بذلك مع التجمع الوطني الديمقراطي، الوحيد الذي تشبث بالنظام السياسي الحالي (الرئاسي) ، بالرغم من عيوبه الكثيرة بحسب خبراء القانون الدستوري، وبالنتيجة، يمكن القول إن السلطة تجاوزت ولو مؤقتا، رياح التغيير التي هبّت على الأنظمة الشمولية في المنطقة العربية، وهذه واحدة من نتائج رهان السلطة على عامل الوقت في إفشال مقدمات الربيع العربي التي هبّت على الجزائر في جانفي 2011 من جهة، كما يبدو أن خطاب السلطة القائم على التخويف من “بعبع” التدخل الأجنبي والحلف الأطلسي قد أتى أُكُلَه إلى أن يثبت العكس.