حظوظ.. جوية
قبل أن تستقر مؤسساتنا الاقتصادية العمومية، وخاصة تلك “السيادية” وتقف على رجلين من صخر بدل أرجل من عجين على عملاقيتها، لا بد أن ننتظر طويلا.. طويلا أمام تربص ديناصورات الالتهام بلا مضغ لقطاع خاص، خرج من رحم الخزينة العمومية، ويراد له، على الأقل لدى بعض الطغم المالية، أن يلتهم ما تبقى من عمالقة ذات الأرجل من العجين!
هكذا جاءت تعليمة الرئيس لتوقف التربُّص بالمؤسسات العمومية التي يراد لها أن تعجز وتفلس لكي تُمضغ وتُبلع بلا ماء وتباع ـ في شكل شراكةـ برأسمال رمزي، يشبه الدينار الرمزي في التسعينات ضمن سياسة “تنازل الدولة عن المؤسسات العمومية وأملاكها” لصالح الخواص، بعد أن دفعت المؤسسات العمومية دفعا إلى الإفلاس داخليا وخارجيا! فالعمال يتحملون الوزر الأكبر في إفلاس المؤسسات العمومية، والتي ما إن تمت خوصصتها حتى سرحت هؤلاء العمال الذين وُظفوا في هذه المؤسسات بطريقة شعبوية زبائنية، لا حِرفية فيها ولا بطيخ.. هذا إضافة إلى تضخيم عدد العمال في مصنع مستورد “المفتاح في اليد” مصنع ينبغي أن لا يشغِّل أكثر من ألف، فشغلنا نحن 3 إلى خمسة أضعاف، فأضعفنا العمل وأصبح العمال أكثر من الإنتاج، حتى إن “برويطة” رأينا 5 من العمال يقودونها؛ واحد يدفع وأربعة يرافقونه..!
الجوية الجزائرية، واتخذها نموذجا من بين نماذج أخرى، بسبب راهنية الاحتجاجات المتكررة والمتنوعة آخرها “المضيفون”، الكل يعلم، وقالها الوزير شخصيا أنها تمر بضائقة مالية، وهي على كل، ليست المرة الأولى التي يقال عنها هذا الكلام، لكن إلى متى؟ ستبقى الجوية، فقط، لأنها وطنية وسيادية تتحكم في المونوبول وتفرض أسعارها حتى على المتعاملين الآخرين مخافة المنافسة. الزبون هو من يدفع فاتورة التسيير وعدد العمال وهروب الطيارين والتقنيين إلى الشركات الكبرى الأجنبية.. هل يُعقل أن نحمي عملاقا أرجله من طين لأن أرجله كذلك؟ وكيف؟ بأن ندفع الزبائن إلى تحمل أعباء الشركة؟، لأنها وطنية وسيادية؟ أي أن المواطن والزبون مجبر على أن يدفع الجزية للخطوط الجوية لكي تبقى!؟ أين قانون “البقاء للأقوى والأصلح”؟ هذا القانون عندنا لا يصلح، الدولة هي من تعرف اللي يصلح للمواطن واللي ما يصلحش، حتى ولو عاش المواطن نار أسعارها وجحيم أسفارها ووبال الانتظار والتأخر والإلغاء والإضرابات المفاجئة.. الجمعة الماضية، كادت الطائرة القادمة بنا من العاصمة إلى وهران ليلا (آخر رحلة) أن ترتطم بالأرض والسبب: الريح والمطر! هل هذا سببٌ وجيه أن أنزل قائد الطائرة طائرته على مدرج مطار أحمد بن بلة كما لو كانت كرة تهوي؟ حتى إن كل الركاب صرخوا صرخة بعد أن ارتطمت عجلات الطائرة بالأرضية بشكل جعل الطائرة ترتفع بنا إلى أعلى ثم تهبط ثانية! هكذا، ككرة سلة.. خوف وعويل وصراخ.. حتى إن الكل “شهَّد” (حتى من لا يؤمن)! لأن الطائرة كادت أن تخرج عن المدرج وتحدث كارثة، هل المطر هو السبب أو الريح؟ في أوروبا الريح والمطر والثلج كل يوم.. فهل هذا هو السبب؟ السبب هو هروب كبار الربابنة والقادة والإطارات ولم يبق إلا القليل.. والبقاء فقط للجدد وعديمي الخبرة (وما حصل مع الطائرة الحربية الفرنسية، يطرح أكثر من سؤال، نصدِّق من: الجوية أم الفرنسيين؟).
نعم لحماية مؤسساتنا العمومية من نهم المتربصين بها لإفشالها والانقضاض عليها، لكن ليس بأي ثمن، لن نقبل أن تعيش مؤسساتنا العمومية على “ماصك الأوكسجين” من جيب الزبون..
لم أنم اليوم.. السلام عليكم!