-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حق يُراد به باطل

الشروق أونلاين
  • 865
  • 0
حق يُراد به باطل

ظاهرة التحام الجيش بشعبه والتفاف الشعب حول جيشه، نادرا ما نجدها مجسَّدة على أرض الواقع في عالمنا العربي والعالم الثالث، على اعتبار أن الجيوش عادة ما تكون نظامية في يد السلطة وأحيانا كثيرة ضد الشعب، لكون السلطة عادة ما تخلط قصدا بين النظام والدولة والوطن، وتربط السلطة بالوطن.

أقول إن ظاهرة الالتحام الواقعية هذه نادرا ما تكون مجسَّدة على أرض الواقع، والنموذج الجزائري هو واحد إن لم يكن الأوحد في المنطقة. تجسَّد هذا الالتفاف التاريخي منذ بداية الحراك في 22 فبراير، ثم تجلى بشكل أوضح إثر انحيازه إلى الشعب بعد دعوة قائد الأركان نائب وزير الدفاع إلى تفعيل المادة 102 من الدستور، قبل أن يعززها، رغبة من مؤسسة الجيش في التناغم مع مطالب الانتفاضة السلمية، بالمادة 7 ثم بالمادة الثامنة من الدستور اللتين تؤكدان أن الشعب هو مصدرُ كل السلطات. هذا التناغم بدا واضحا ومتناميا منذ الوهلة الأولى وإن شكك البعض، عن حسن نية أحيانا وبخبث أحيانا أخرى، لكون تجربة تدخل الجيش في السياسة صارت أمرا مرفوضا شعبيا بكل أطيافه، على اعتبار أن ذلك يقوِّض مهامه الدستورية ويُضعف مهمته الكبرى وهي حماية أمن الوطن والمواطن، وتزج به في أتون الخلافات السياسية التي هو في غنى عنها، بل يكون فوقها لا طرفا فيها. رفض البعض تدخل الجيش لتثبيت الاستقرار والدفاع عن الأمن الوطني، يراه بعض من الرافضين تدخلا في السياسة من جديد. هذا الفهم القاصر والخاطئ، مؤداه أنه يتعين على الجيش أن يبقى مكتوف الأيادي أمام أعتى حالات التهديد بالتفكك والفوضى، وهذا يعني دعوته إلى التخلي عن مهامه الدستورية. هذه الدعوات، مهما كان الغرض منها اليوم، وفي هذه الحالة بالذات، إنما هي حق أريد به باطل، ولحاجة في نفس “جاكوب”..

عودة لأصل القصة: كنت قبل أكثر من 10 سنوات، كتبت في “الشروق” وقلت إن على السياسيين مستقبلا ألا يحلموا بتدخل الجيش مرة أخرى لحمايتهم من الشعب في كل مرة يفشل الساسة ويفلسون في تسيير البلاد، من أجل إبقاء هؤلاء الساسة المفلسين في السلطة، وإن حصل وتدخَّل الجيش فسيكون لصالح الشعب. قلت هذا، لأسباب كثيرة أهمُّها أن عقدة الجيش الوطني القومي الدستورية، التي لم تحِد عنها يوما، خاصة في مسألة عدم تدخل في النزاعات الإقليمية والدفاع عن التراب الوطني وأمن البلد والمواطن، قد تعززت بعملية التشبيب والتكوين والتمرُّس تضاف لها ميزة عدم التأدْلج؛ فالتشبيب وترك جنرالات وضباط الثمانينيات الخدمة أو وفاتهم أو تحييدهم لسنِّهم، ساهم في نزع نزعة التسييس في الجيش، خاصة في الأركان، التي هي العمود الفقري للجيش. كما أن جهاز المخابرات الذي يتولى تسيير ورقابة الأمن السياسي، قد تغيَّر هو الآخر مع التشبيب وإعادة الهيكلة وإن كان رأس هرم سلطة الجيش لا تزال لم تُشبَّب بعد، إنما نزع عنها هذا التوجه السياسي والإيديولوجي وهذا خلال السنوات العشرة أو الـ15 الأخيرة. كما أن توجه الجيش إلى الاحترافية مع التشبيب، جعل عقيدته تتطور آليا نحو جيش دستوري، احترافي، ذي مستوى رفيع وعالي من التكوين لإطاراته وضباطه وصف ضباطه، ما يؤهِّله لأن يكون أكبر جيش في المنطقة. هذا هو سرُّ تخندق الجيش مع الشعب قلبا وقالبا، وما تدخُّله لحماية الديمقراطية من مغتصبيها إلا عربونٌ على هذا التوجُّه اليوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!