حكام للعرب من دور العجزة
ربما يكون الزعيم التونسي الراحل، قد تقلّب في قبره أكثر من مرة فزعا لمشهد تونس ما بعد “الثورة”، وهي تبحث عن رئيس لحكومة توافقية من خزان جيل “طاب جنانو” التونسي، والمفاضلة بين مرشح تزكيه المعارضة، وهو يغازل العقد الثامن من أرذل عمره، فيما تتمسك الترويكا الحاكمة بمرشحها وهو يودّع عقده التاسع.
ثلاث سنوات من رقص دراويش الثورة داخل حلقة مفرغة، كانت كافية لإنتاج توافق معتل بين الإخوة ورفاق الثورة، على أن انقاذ ثورة قام بها شباب من جيل “قد هرمنا”، إنما يكون على يد رموز من جيل ما بعد ــ بعد “طاب جنانو” من رفاق ومعاصري الراحل بورڤيبة، الذي انقلب عليه الحصان النافق بتهمة الخرف، واستنفاذ رصيده الافتراضي من أرذل العمر.
هذا المشهد التونسي الحزين يكاد وحده يلخص حالة الخرف والشيخوخة المبكرة التي أصابت المتشابه من ربيع الشعوب، قبل أن تتفتّح البواكر من أزهاره، حتى أنه لم نعد بحاجة إلى التذكير بحصيلته المادية المفجعة، ومغارمه من الأموال والأنفس، وقد قدرت حتى الآن بـ800 مليار دولار كخسائر مباشرة وغير مباشرة، و200 ألف قتيل في ليبيا وسورية فقط، دون حساب ما ستكشفه الأيام القادمة من مغارم العرب من ربيع فتنة رأيناها تقبل بشبهة وتنجلي الآن ببيان، بعد أن يقفل الملف السوري على بلد قد تحول إلى خرابة وأعيد أربعة عقود إلى الخلف، وبعد أن يستسلم الليبيون لمسار التقسيم الجاري على قدم ونصف ساق، ويكون أعظم إنجاز لثورة يناير المصرية، النجاح في محاكمة رئيس متخل وآخر مخلوع في أقل من سنتين.
أكثر المتفائلين من رعاة الربيع العربي من النخبة، المصابة بزمانة الخرف مثلها مثل أنظمة “طاب جنانو”، يراهن اليوم على دور الأزمات الاقتصادية وبؤر العنف، وربما على قيام ثورة الجياع المنسيين لتصحيح مسار الربيع المختطف، وهو ذاته ما يراهن عليه الفلول من المنقلبين من العسكر ولفيف الليبراليين والعلمانيين، في توافق عجيب بين الثوار والمتمردين من الثورة المضادة من العسكر والمدنيين، حتى أنك لا تكاد تميّز بين خطاب السيسي، وهو يروّع المصريين ببعبع الإرهاب، ورسائل الإخوان والنهضة وهي تستشرف للشعبين أياما دامية على يد إرهاب تقول أنه من صناعة الثورة المضادة.
أسوأ مشهد على الإطلاق كان مشهد بعض أنصار الإخوان وهم يرقصون فرحا بعد نكسة شيوخ فريق الفراعنة أمام الفتية الغانيين، وتحويل مفتي ثورات الربيع العربي، الشيخ القرضاوي، خطبة الجمعة إلى حصة للتعليق الرياضي قد تدشن حقبة قادمة يعاد فيها رسكلة علماء ودعاة اتحاد العلماء المسلمين إلى معلّقين رياضيين، ينافسون حفيظ دراجي ولخضر بريش، في نقل وقائع مونديال الدوحة القادم، ما دام الخرف لا يمنع معمّرا قارب التسعين سنة من رئاسة حكومة الثورة، التي بدأت بانتحار شاب يائس مائق، وقد تنتهي بنحر أحلام الشعب العربي الآبق.