الرأي

حكايات “رقابية”

مروان ناصح
  • 3861
  • 1

1- هل كانت الرقابة _ كما خبرتها في تلك الأيام _ شراً كلها ؟؟

2-ناقشني أحد الزملاء في دائرة الرقابة، حول فكرة “رقابية” اعتبرتها ثمينة حينها، وأعتقد أنها ماتزال كذلك نسبياً، رغم طغيان ما نراه من دعوات محمومة إلى ما يدعى بـ”تلفزيون الواقع”.. أما فكرة ذلك الزميل فهي أن الموضوعات والكلمات والمواقف المسموح بها في الكتب، وحتى في السينما، قد لا نستطيع أن نوافق على بثها في الإذاعة والتلفزيون، بل كثيراً ما تكون محظورة فيهما كلياً..!! أما السبب فهو أن مؤلف الكتاب يخاطب قارئاً وحيداً، وعلى انفراد، وبطلب واختيار حر من القارئ نفسه. والسينما كذلك، إنما يذهب إليها الناس بملء إرادتهم. ومن يذهب إلى “الفن والفكر” برجليه، عليه أن يتحمل النتائج، مهما كانت مزعجة!!. أما الإذاعة والتلفزيون، فإنهما يدخلان إلى منزل الأسرة، دون استئذان، وللأسرة أخلاقياتها وحرمتها التي لا يجوز المساس بها، لا من قريب ولا من بعيد..!! غير أنني لاحظت عند ذلك “الزميل” خروجاً سافراً عن قاعدة “تلفزيون الأسرة”، وأنا أقرأ له – بعد سنوات – نص مسلسلٍ تلفزيوني، إذ كان يتضمن كثيراً من المشاهد التي تؤذي “أخلاقيات الأسرة وحرماتها”، وهو يعرض فيها لعلاقات عاطفية “مقشرة” جداً، بين شخصيات ذلك المسلسل، من الرجال والنساء!! وكنت أعجب لمقدرة “ذلك الزميل” على الفصل بين   الكاتب الفنان” و”الرقيب المثالي” داخل شخصيته المثقفة الواحدة..!! وتلك هي حال غالبية المبدعين..!!

 3-وترجع بي الذاكرة إلى مواقف عديدة شهدتها لزميل آخر، وهو يدافع عن مشاعر ذوي العاهات أو “ذوي الاحتياجات الخاصة” بمصطلح هذه الأيام، فهو لا يستحب أن يخاطَب أحد منهم بما يذكره بعاهته، أو بنقصه، أو يعيّر بها، على أثير الإذاعة والتلفزيون، كأن يرحب أحد الشخوص في تمثيلية ما بشخص آخر قائلاً: أهلاً بك أيها الأعمى!! أو ما الذي أخرك عنا يا أبرص؟! ففي مثل هذه الحوارات رائحة سخرية مستنكرة، وقلة احترام، وخروج عن المروءة والإنسانية!! وجدير بمن يخاطب هؤلاء المصابين بنكبات الحياة، أو يتحدث عنهم في وسائل الاتصال الجماهيرية أن يحترم “مصابهم” وأن يتلطف معهم، ويخفف عنهم وطأة معاناتهم، وهو ما تفرضه أصول الكياسة، وحسن المعاشرة بين الناس. ألا ترى أن الحس الشعبي يلجأ إلى مثل هذه الكياسة في وصف “الأعور” فيقول الناس عنه: “عينه كريمة” أي مكرمة؟؟ واذكر أنّ شدّة الحرص على هذا المبدأ، دفعت بذلك الزميل إلى المبالغة الفاقعة، في الاعتراض على بيتين من الشعر وردا في مسلسلٍ قدمه إلينا الفنان الكويتي المعروف “محمد المنصور” بعنوان “حوش المصاطب”، وكان يدور في أجواء تراثية شبيهة بـ”مقامات بديع الزمان الهمذاني”، وطرائفها ومقالبها الذكية، حيث ينشد أحد “العيارين” المتنكرين في هيئة رجل “أعرج”:

 تعارجتُ لا رغبةً في العرجْ                          ولكن لأقرع باب الفرجْ

فإن لامني القوم قلت: اعذروا                         فليس على أعرج من حرجْ

ويشمل هذا الموقف “الرقابي” من ذوي العاهات، أو “ذوي الاحتياجات الخاصة”، أن نتجنب إشعارهم بالعجز عن اقتحام الحياة، وعن نيل المطالب بالدأب والجهد والأمل، إلى جانب الإكثار من ضرب الأمثلة لهم عن المتفوقين المشاهير منهم، من أمثال “طه حسين”، و”كريستين كيلر”، وما أكثر من ينطبق عليهم نصف البيت الشعري الشهير: “وكل ذي عاهة لا بد جبار”..!!

4-كان صاحب محل أشرطة “الفيديو” – في الحارة – صديقاً لكبارها، وصغارها معاً، وموضع ثقتهم، إذ كان معظم الرجال، وصغار السن من المراهقين، يستعيرون منه أفلام “الجنس” الممنوعة، التي تصل إلى محله بطريقة سرية، وكان يحب أن يؤكد صداقته للجميع، بأن يوصي الصغار بإخفائها عن أعين الكبار وأيديهم…!! ويوصي الكبار بإخفائها عن متناول الصغار..!!!                   أما صاحب هذا المحل، فهو شخصية طريفة، بين شخصيات أخرى لا تقل عنه طرافة، في أحد المسلسلات التي قدمت إلينا في دائرة الرقابة في التلفزيون، وكان نصيب هذه الشخصية اعتراضاً صارخاً تقدم به أحد الزملاء القراء في الدائرة، مشفوعاً بمرافعة “أخلاقية”، تؤكد على  ضرورة حذف موضوع هذه الأشرطة الممنوعة من “أساسه”، حرصاً على مشاعر الآباء، وسلوك الأبناء، وسمعة محلات الفيديو “البريئة” بصورة عامة، فضلاً عن أمن “الرقابة” الذاتي، الذي لا ينبغي أن يتزعزع من أجل بعض المشاهد الكوميدية التي تستلهم بعض ما يجري في الواقع، كما يدعي مؤلف النص.. و.. “يا دار ما دخلك شر”!!

5-هل كانت الرقابة _ كما خبرتها في تلك الأيام _ شراً كلها ؟؟ 

 لست أدري…!!

مقالات ذات صلة