حكومة وحدة وطنية
بعد عناء طويل جراء تداعيات الانقسام، توصل القادة الفلسطينيون إلى فكرة حكومة فلسطينية بقيادة الرئيس عباس، يكون من مهماتها التحضير للانتخابات التشريعية والإشراف على تنفيذ ملفات المصالحة.. وهكذا يكون الفلسطينيون قد تجاوزوا مرحلة الانقسام إلى مرحلة ترميم أوضاعهم والبناء على قاعدة المصالحة.
شاهت وجوه كل المستفيدين من الانقسام والمروجين له أولئك الصائدين في المياه العكرة الذين لا مكان لهم إلا الحضيض والذين اعتقدوا لفترة من الزمن أنهم تمكنوا من قسم الوطن إلى جزأين متنافرين لا لقاء بينهما.. وساءت وجوه المنتفعين من جو الانقسام، ظانين انه الظرف المناسب من اجل مصالحهم الدنيئة التي لا هم لهم سواها ولا تاريخ يقف خلفهم ولا أرض نظيفة تحت أقدامهم.. أنهم سيختبئون الآن بلا خجل ولا حياء، لأن لا كرامة لهم ولا عزة نفس.. سيختبئون ولكن أنّى لهم ذلك، فإن الأحرار سيعرفون كيف يطهرون الأرض المباركة والمواقع النضالية من الطحالب المفسدة التي تروج للانقسام وتفسيخ الشعب الواحد.. فليس سوى إسرائيل إلا تلك النفوس المريضة التي رأت في الانقسام فرصتها في التموقع وقسمة الغنائم.
ها هي وحدة الصف الفلسطيني تلتئم من جديد ويقف قادة العمل الفلسطيني ليؤكدوا للشعب المظلوم في غزة والضفة إن وحدة المؤسسة الفلسطينية ضرورة ينبغي أن تكون رهنا للنزوات والنزعات الشيطانية الخبيثة المتدثرة بلبوس التمويه.
وعلى هذه الحكومة تقع المسؤولية الجسيمة في رفع الحصار عن غزة وإعادة الإعمار التي تأخرت سنوات بعد الحرب الجنونية على غزة، ويقع عليها كذلك تكريس المصالحة الاجتماعية ليتمكن أبناء البلد الواحد من العيش بسلام في بلدهم، وعليها كذلك ترتيب الأولويات على صعيد بناء المؤسسات الموحدة وبناء ما يلزم من هياكل الدولة سعيا نحو تكريس حقن بكيان سياسي محترم.
وانه ينبغي النظر إلى هذه الخطوة في سياق تطور الأوضاع في الإقليم وعلى المستوى الدولي وكذلك على مسار القضية الفلسطينية، وينبغي النظر باحترام إلى الإرادة الفلسطينية الواعية بالذهاب إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، ومن الأهمية اللافتة أن يكون الرئيس عباس هو رئيس الوزراء ليعطي عدة إجابات مهمة على التحديات المحتملة.. فأولا هو ينهي بهذه الخطوة الجدل الدائر حول اختيار رئيس الوزراء، وهو كذلك يمنح الحكومة قدرا إضافيا من القوة والجدية وهو محل إجماع فلسطيني، ثم هو يمنح الحكومة فرصة الوزن الثقيل الإقليمي والدولي، وهنا يكون الفلسطينيون قد حققوا هدفا في طريق كفاحهم الطويل.
منذ الآن يصبح على الفلسطينيين واجب التقدم نحو خطوات مهمة وضرورية أخرى على رأسها الإسراع في بناء مؤسساتهم التي تحمل حقوقهم وتسعى لتكريس الوجود السياسي الفلسطيني في مواجهة دوامة تعصف بالمنطقة وتحاول ترتيبها من جديد، وتحاول فرض خرائط سياسية جديدة في المنطقة.
إن نجاح القيادة الفلسطينية في الإعلان عن حكومة وحدة وطنية برئاسة الرئيس محمود عباس تعني إن الإرادة الفلسطينية بخير، ولن يكون الموقف الإسرائيلي المضاد للوحدة الفلسطينية سوى شرط إضافي من شروط عدم التنازل عن هذه الخطوة الكبيرة.