“حلقة الرد والرد المقابل بلغت حدود رضا كل من الطرفين”
قال الباحث في العلاقات الدولية والإستراتيجية، الدكتور الأردني وليد عبد الحي، في تقدير موقف على القصف الصهيوني الذي طال إيران، فجر السبت، “يبدو أن حلقة الرد والرد المقابل بين إسرائيل وإيران قد بلغت حدود رضا كل من الطرفين عن انجازاته المحددة في هذه الضربات المتبادلة وجعل المنافسة تقف عند حد التعادل”.
وقدّر الأكاديمي الأردني، أن استمرار الصراع في غزة ولبنان وضربات “الحوثيين” الموجعة اقتصاديا (رغم تهوين الإعلام لها) واستمرار الهجمات العراقية قد تفتح نوافذ لعودة دورة الرد والرد المقابل، لكن ذلك لا ينفي أن الطرفين الإيراني والإسرائيلي في مرحلة التقاط الأنفاس”.
وأوضح عبد الحي في تحليله الذي نشره على صفحته في “الفايس بوك” تحت عنوان “الهجوم الإسرائيلي الجديد على إيران.. تقييم أولي”، أنه “من الواضح أن طبيعة ومستوى الرد الإسرائيلي الحالي يكشف وبشكل لا لبس فيه نهاية محاولات نتنياهو لمناكفة الإدارة الأمريكية، إذ أن الرد الإسرائيلي الحالي يتسق تماما مع تصريحات بايدن ووزير دفاعه وبعض بيانات البنتاغون والخارجية الأمريكية، بينما كانت لغة نتنياهو “عالية النبرة بشكل حاد”، وهو موقف يتكرر لنتنياهو في أغلب جولات هذا الصراع، ومن يقرأ كتاب Bob Woodward الأخير وعنوانه “The war” (صدر قبل أيام) وبخاصة الجزء 47 من الكتاب يكتشف تراجع نتنياهو عن تشنجاته إذا واجه الحزم، وهو ما اشرنا له في دراستنا عن سيكولوجية نتنياهو قبل شهور”.
ونبّه صاحب التحليل، أن دولة الاحتلال تعيش حالة إرهاق جراء الجبهات العديدة التي تتصارع معها، فيما إيران تدير الصراع بذكاء، معيبا الموقف العربي مما يجري، وأورد “يبدو أن الإرهاق الإسرائيلي اكبر مما تحاول تل أبيب أن تدعي، ولم تكن إسرائيل في وضع دولي حرج بمثل ما هي عليه الآن، لكني على يقين أن إسرائيل لم تفرغ كل ما في جعبتها، لكن إيران أيضا تدير الصراع بقدر من الذكاء والروية، أما الطرف العربي فإن موقفه لا يحتاج إلى أدنى تفكير، فينابيع الشجب والإدانة وتقديم النصائح معين لا ينضب”، وخلص أن “العرب ملعب وليسوا لاعبين”.
وعرج عبد الحي على الدوافع التي جعلت الهجوم الصهيوني”محدودا”، رغم التعبئة الكبيرة الذي سبقته، وانطلق صاحب التحليل في ذلك من معطيين اثنين هما أن المحافظات التي تعرضت للهجوم هي ثلاث محافظات هي طهران وخوزستان وإيلام، وهذه المقاطعات تشكّل في مجموعها حوالي 6.5% من مساحة إيران، وهو ما يعني أن الهجوم محدود للغاية من حيث امتداده الجغرافي، كما أن الهجوم شمل أهدافا عسكرية بحتة مثل مراكز الدفاع الجوي أو مخازن التسلح أو منصات إطلاق الصواريخ أو مصانع عسكرية وبخاصة مصانع المسيّرات العسكرية، وهو ما يعني تجنب تام للأهداف الأكثر حسّاسية مثل الأهداف النفطية من آبار أو مصاف أو موانئ شحن أو ناقلات نفط، أو الأهداف النووية سواء المفاعلات أو مناجم “اليورانيوم” أو مراكز الأبحاث أو مراكز التخصيب.
وقدّم عبد الحي جملة من الأسباب التي “كبحت” الهجوم الصهيوني على الأراضي الإيرانية، ومن ذلك الضغوط الأمريكية والأوروبية على دولة الاحتلال، وقال “الولايات المتحدة التي نبّهت أن الهجوم على الأهداف النفطية والنووية سيزيد بشكل كبير من احتمالات الحرب الإقليمية الواسعة التي ترى أمريكا أنها “لا تريدها الآن لظروفها الداخلية (لحظة انتخابية) والخارجية (الانغماس في أوكرانيا واحتمالات استثمار الصين للانغماس الأمريكي بعيدا عن شرق آسيا)، ناهيك عن اضطراب السوق النفطي سيدفع أمريكا لاستخدام مخزونها النفطي لتغطية حاجة حلفائها، مما يساهم حتى في رفع الأسعار داخل أمريكا وفي لحظة انتخابية حرجة”، وتابع: “الضغوط الأوروبية من احتمالات ارتفاع أسعار النفط نتيجة احتمال التوقّف عن تصدير النفط الخليجي الذي يشكّل 20% من احتياجات أوروبا، ثم هناك عامل آخر وهو اضطراب التجارة الأوروبية الآسيوية في حال اشتعال حرب إقليمية، وهو أمر مكلّف جدا للاقتصاد الأوروبي ناهيك عن آثاره على القدرة في الاستمرار في الدعم لأوكرانيا”.
وأضاف على ما سبق: “يبدو أن التواضع الواضح في مستويات النجاح الإسرائيلي في جنوب لبنان، والذي دفع إسرائيل طبقا لبعض المصادر لمناقشة احتمال إنهاء العملية البرية في الجنوب، ناهيك عن تعثر أهداف نتنياهو في غزة، كلها مؤشرات على أن إسرائيل بدأت تشعر بمحدودية قدراتها، وبأن الاطمئنان لإستراتيجية الردع قد بدأ يتلاشى حتى من قبل أكثر إستراتيجيتهم رعونة” وختم: “الغريب أن الأهداف التي ضربتها إسرائيل -طبقا للرواية الإيرانية- لم تشمل أي هدف من مواقع الحرس الثوري، وهو المؤسسة الأكثر رعاية لأمن النظام والأكثر تشدّدا في الموقف من إسرائيل، وهو ما يشير إلى حساب إسرائيلي بعدم استفزاز -في الظروف الحالية- هذه المؤسسة”.