الرأي

حلم الاتحاد العربي

محمد سليم قلالة
  • 1551
  • 0

كان حلما ذات يوم في منتصف القرن الماضي قبيل تأسيس الجامعة العربية (1945). بل كانت التسمية المقترحة آنذاك من قبل العراق أن يكون اتحادا مباشرة. ولعبت الأيادي الغربية لكي لا يكون هناك اتحادٌ ولا تحالف ولا حتى جامعة، ومازالت تلعب إلى اليوم بأساليب مباشرة وأخرى غير مباشرة لكي لا يتحد هذا الإقليم المترامي الأطراف الأكبر من الولايات المتحدة والصين والثاني عالميا بعد روسيا والذي لا تفصل بين أقاليمه أيُّ حواجز طبيعية للتنقل برا.

بالفعل، إنها السياسة العالمية التي مَزَّقت هذا الإقليم الذي يملك مقومات الوحدة أكثر مِما يملك أي إقليم آخر في العالم وبخاصة قاعدة القيم المشتركة التي تتجاوز كل ما هناك من فروق لغوية وقبَلية وتاريخية. لا يمكن لأي كان أن ينفي وجود قاعدة القيم المشتركة هذه، الأساسية لأي عمل مشترك. إلا أن أيادي الاستعمار الخارجي والأدوات الخبيثة للصهيونية تمكنت خلال السبعين سنة الماضية ليس فقط من تقسيم هذا الإقليم إلى دول مُشَتَّتة إنما إلى بث للتناحر داخل كل دولة وأحيانا بين المناطق والجهات في الدولة الواحدة.. والأمر لا يتعلق أبدا بصدف تاريخية، أو له علاقة بطبيعة شعوب هذه المنطقة غير القابلة للتفاهم فيما بينها، إنما بإدراك القوى الاستعمارية التقليدية (فرنسا وبريطانيا) والاستعمارية الجديدة (الولايات المتحدة والكيان الصهيوني) أن وحدة هذا الإقليم من شأنها تغيير مُجمل السياسة العالمية وتقويض مصالح القوى الغربية المستفيد الأول من الوضع. ولذلك ينبغي للانقسام أن يستمرّ، وينبغي للتناحر والاقتتال أن يزدادا، وينبغي لخطاب الوحدة أن يموت.. ولا يعدمون لذلك الحيل والأساليب والخدع والضرب على الأوتار الحسَّاسة المُثيرة للفتنة والتباعد والمُوَرِّثة للكراهية والبغض أحيانا حتى بين أبناء الوطن الواحد، فضلا عن البلدان والشعوب المتجاورة.
وتكاد شعوبُ هذه المنطقة ترُغَم بكافة الوسائل حتى لا ترى بأن الاتحاد الأوروبي الأقربَ إليها جغرافيًّا قد تم رغم وجود عشرات اللغات واللهجات بدوله (28 لغة جهوية في فرنسا وحدها)، (24 لغة رسمية معتمدة في الاتحاد) فضلا عن الإنجليزية التي يتعامل بها 38% من السكان! (الفرنسية 12% فقط). وأن هذا الاتحاد قد تم رغم وجود 83 شعبا أوروبيا مختلفا و105 مليون مواطن من الأقليات (وفقا لدراسة ألمانية)Minderheitenrechte في أوروبا شارك في تحريرها Pan and Pfeil ‏(2002) (موسوعة ويكيبيديا)… بل إن الاختلافات في  المنطقة العربية لا تكاد تُذكر مقارنة بدول تبدو لنا منسجمة لغويا وعرقيا ودينيا مثل الولايات المتحدة والصين.
إذن ما الذي يمنع الاتحاد على أسس براغماتية والمنطقة لديها ناتجٌ محليٌّ خامٌّ سيكون السابع عالميا إن اتّحدت بما يساوي 2.7 تريليون دولار، بعد الولايات المتحدة 20.4 تريليون دولار والصين 18 تريليون والاتحاد الأوروبي 16 تريليون واليابان 5.3 تريليون وألمانيا 4.5 تريليون وفرنسا 3.1 تريليون، وقبل روسيا 1.7 تريليون دولار! ما الذي يمنع -براغماتيّا- قيام اتحاد سيبلغ به عدد السكان 424 مليون نسمة رابع أكبر سوق في العالم بعد الصين 1.4 مليار والهند 1.3 مليار والاتحاد الأوروبي 513 مليون نسمة وأكبر من الولايات المتحدة 329 مليون نسمة وروسيا 144مليون وكافة الدول الأوروبية منفردة، واليابان 126مليون نسمة؟
بكل تأكيد هي السياسة الغربية بقيادة الدول الاستعمارية التقليدية (فرنسا وبريطانيا) والجديدة (الولايات المتحدة والكيان الصهيوني) التي تتدخل بكافة الوسائل (من الإعلام إلى السياسة، إلى القوة العسكرية)، وتمنع حتى التفكير في هذا الحلم، فما بالك بتجسيده.
ومع ذلك، يبقى حلما قائما.. وانعقاد القمة العربية القادمة في الجزائر قد يوقظ إمكانية تجسيده.. اليأس وحده هو الذي ينبغي أن يحارَب، والأمل ينبغي أن يبقى.

مقالات ذات صلة