-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حليليفة.. الفرس التي أنقذت قسنطينة من غزو تونسي

فاروق كداش
  • 2521
  • 0
حليليفة.. الفرس التي أنقذت قسنطينة من غزو تونسي

هناك الداحس والغبراء في روايات العرب، وهناك فرس بيغاس في أساطير اليونان، وهناك حليليفة الفرس السوداء، التي أنقذت مدينة بأكملها. الشروق العربي، تروي قصة من قصص تاريخ سيرتا العريق، حصار وحرب وفرس تسابق الريح.

في صيف 1700، شهدت قسنطينة أقتم أيامها، بعد زحف جيش باي تونس، مراد الثالث، المعروف ببوبالة، على قسنطينة لاحتلالها. وسببها، أن باي تونس أهدى علي خوجة باي قسنطينة هدية، فلم لم يستسغها فأعادها، فاغتاظ باي تونس أيما غيظ، وفي ثورته الهيستيرية أعلن الحرب على باي قسنطينة.

عندما استقر باي تونس على تخوم المدينة، استقبله جيش باي قسنطينة، علي خوجة، وسكان المدينة، في أول معركة وقعت بين سيدي مبروك والخروب، في مكان يسمى الملعب (البودروم بالدقسي حاليا). غير أن القسنطينيين انهزموا وانسحبوا إلى داخل أسوار المدينة الحصينة، بينما حاصرتها قوات مراد الثالث من كل الجهات.

تواصل الحصار خمسة أشهر. وأمام هذا التعنت من طرف باي تونس، بعث باي قسنطينة يطلب المدد من باي الجزائر، لكن، تصادف هذا الحصار مع ثورة شعبية انتهت في ما بعد بالإطاحة بالداي. كان مراد الثالث يعتزم تدمير المدينة عن بكرة أبيها، وأحضر لهذا الغرض خمسة وعشرين مدفعا.. مدافعه تسببت في هدم الكثير من البيوت في السويقة، خصوصا في جهة الطبانة، الواقعة أسفل باب الجابية (الطبانة مكان نصب المدافع لدرء الهجمات على المدينة من جهة باردو). وتمكن باي تونس من السيطرة على حصن صغير، في مكان يسمى الكدية، واستغل موقعه لتشديد الخناق على المدينة.

مدينة قسنطينة لم يكن من السهل النيل منها.. كانت مدينة قوية حصينة، غير أن أزمة مياه بدأت تضيق الخناق على السكان، بالإضافة إلى نفاد المؤونة، فضلا عن الأمراض التي أودت بحياة الكثير.

وكانت المدينة العريقة على وشك السقوط، حين بدأ التونسيون في تحريك مدفعيتهم نحو سطح المنصورة. لقد حان وقت الاقتحام الأخير، الذي كان يخطط له باي تونس، بعدما استنزف مواردها وجوّع سكانها.

فكر علي خوجة مليا، وقرر تكرار طلب المدد من باي الجزائر، ولم يكن لديه خيار آخر، غير أن مغادرة المدينة كانت مهمة مستحيلة آنذاك.. وبما أن الأزمة تلد الهمة، تقدم الباش سيار، ابن زكري، وهو المكلف بمراسلات الباي، متطوعا لحمل هذه الرسالة الأخيرة قبل يوم الحسم.

كانت فرسه، حليليفة، آخر فرس في المدينة، بعد أن أجبر السكان على التضحية بها.. كانت لهذه الفرس مكانة

خاصة لدى ابن زكري، وكان ورغم المجاعة والعطش يتقاسم مؤونة أسرته مع فرسه.

وتم إنزال ابن زكري وفرسه، في ليلة كالحة، لا قمر فيها، مستعملين الحبال على ارتفاع الجدار الصخري العظيم للمدينة من جهة كاف شكارة، التي تنتهي إلى سيدي مسيد.. كان هذا المكان الشاهق بعيدا عن عيون جيش باي تونس، لظنه أنه لا أحد يستطيع الهروب من خلاله، بسبب ارتفاعه الشاهق.

وطوت حليليفة الأرض طيا، مسيرة ثلاثة أيام، لم تأخذ خلالها إلا قسطا بسيطا من الراحة.. وأبلغ ابن زكري رسالة باي قسنطينة إلى الداي، الذي اقتنع بضرورة إرسال العون إلى مدينة قسنطينة.. بعد أن خرجت حليليفة في جنح الليل، عادت إلى المدينة في وضح النهار، بجيش جرار أكل الأخضر واليابس.. التقى الجمعان في منطقة تسمى آنذاك جوامع العلمة، يوم 30 أكتوبر من عام 1700، وجرت بينهما معركة طاحنة، انتهت بهزيمة باي تونس، وفراره على حصانه، المسمى “كحيل”، إلى أن وصل مرجا، فسقط حصانه من تحته ميّتا، وسميت باسمه تلك البقعة “مرج كحيل”.

حليليفة الفرس الخالدة

صارت حليلفة المظفرة رمزا من رموز المدينة، وجزءا من شعارها.. وخلد حكايتها وبطولتها الشعراء، وبقيت بأبياتهم في خلد سكان قسنطينة.. الضليع بالتراث القسنطيني، يذكر الفرس “حليليفة” في قصيدة مغناة من طابع المحجوز، الذي تنفرد به المدينة، واستطاع مؤرخ فرنسي التقاط الأبيات الأولى منها، خلال القرن التاسع عشر، حيث يبدو أن هذه الأغنية انقرضت من سجل الموسيقى القسنطينية، مثلما ضاعت الكثير من القصائد، (وربما تكون مازالت باقية)، ولم تبق منها إلا الأبيات الأولى. يجب التنبيه إلى أن قصائد المحجوز تنظم في الغزل فقط، ويبدو أن سكان قسنطينة أعجبوا بالفرس التي أنقذتهم من دمار محتم، وتغزلوا بها وأعلوا شأنها.

تقول هذه الأبيات بعد ترجمتها: صه! إنه جيش الجزائر.. أحضره ابن زكري… الفارس المقدام… يمتطي حليليفة الرقيقة والناعمة.

حليليفة ترعى مع الغزلان، وتعود مع الأبقار، تغسل يديها وتجلس إلى مائدة السلطان… سريرها من حرير وقماطها شاش من قطن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!