حماية الأمن العربي بسحب مبادرة السلام
تحتضن مدينة شرم الشيخ المصرية اليوم الخميس اجتماع وزراء الخارجية العرب تحضيرا للقمة العربية الـ26 يوم السبت القادم، قمّة وضعت تحت سقف “محاربة الإرهاب” وكأنها محض تكملة لاجتماع وزراء الداخلية العرب المنعقد أخيرا في الجزائر.
على رأس الملفات التي رفعها المندوبون الدائمون، يهيمن ملف الأمن القومي العربي، حيث سيعرض على جلسة وزراء الخارجية اليوم، وقمة الرؤساء يوم السبت، ملفات العرب الأكثر سخونة، في طليعتها محاربة التنظيمات المتطرفة، وتحديدا ملف “داعش“، مع مقاولة بعض دول الخليج لفكرة تشكيل قوة عربية مشتركة لمحاربتها، تليها الملفات الساخنة في ليبيا، وسورية، والعراق، والأراضي الفلسطينية، وخاصة الملف المتفجر في اليمن.
الآن فقط، وبعد أن وصلت ألسنة النار إلى قلب العرب الثري، طلب من موظفي الجامعة البحث في دهاليز الجامعة عن مسودة وثيقة الدفاع المشترك، ونفض الغبار عنها، وكلف الأمين العام بجولة في المغرب العربي لإقناع الجزائر على الأقل بعدم الجهر بمعارضة إحياء ميثاق الدفاع المشتَرك، الذي يُراد تفعيله في ملفين اثنين فقط: الملف اليمني، الذي يهدد مباشرة أمن السعودية ودول الخليج، والملف الليبي الذي فشلت مصر في افتكاك تغطية أممية لتدخلها العسكري المباشر.
الدعوة المصرية – الخليجية إلى تشكيل قوة عربية لمحاربة الإرهاب، بتفعيل بند الدفاع العربي المشترك، المجمد منذ حرب أكتوبر 1973، هي حالة من الهروب إلى الأمام، ومحاولة لتغيير المصطلح الأصلي، الذي كان يعني الصراع العربي الصهيوني في المقام الأول، ولم يكن يضمر أبدا تخويل التدخّل في الشأن الداخلي للدول العربية، بدليل فشل مصر عبد الناصر في تسويق التدخل العسكري المصري في اليمن كحالة يشملها ميثاق الدفاع المشترك، وفشل مساعي صدام حسين في توظيفه لمواجهة العدوان الأمريكي.
ثم إن تفعيل مبدإ الدفاع المشترك يصطدم بوقائع موضوعية على الأرض تمنع تفعيله عمليا، فليس من السهل تشكيل قوات عربية مشتركة قادرة على التحرّك السريع لوقف الطوفان الحوثي، ويحتاج تشكيل القوات، ونقلها، وتنظيم هيئة أركانها، إلى شهور طويلة من العمل، قبل أن تصبح قادرة على خوض معارك على الأرض.
وحيث أن الدول العربية التي تطالب اليوم بتفعيل مبدأ الدفاع المشترك هي على دراية بهذه المعوقات الموضوعية، فما الذي يخفيه الطلبُ الخليجي والمصري؟
في الحالة اليمنية كما في الحالة الليبية، وحتى في حالة “داعش“، فإن الطلب سبقته دعوة لشراكة عربية أمريكية غربية صريحة، اقتصرت في حالة “داعش” على مشاركة رمزية بواسطة الطيران، ولم يكن بوسع أي بلد عربي الزجّ بقوات على الأرض كما كانت تريد الولايات المتحدة، ولا نرى اليوم أي حراك خليجي جاد نحو الزج بقوات برية خليجية في اليمن، وقد اكتفى الرئيس المصري بضربة جوية رمزية في ليبيا، لأن الجميع يعلم حدود قوّته، وقد كشفت الحرب في سورية والعراق عن حدود القوة في مواجهة مجاميع مسلحة، تعمل داخل حواضن شعبية.
الاستجابة للطلب خلال القمة القادمة ـ إن حصلت ـ سوف تمهّد حتما لتوفير غطاء عربي جديد لتدخل عسكري غربي في المنطقة، وهو ما تشتغل عليه الدول الغربية جهارا في الملف الليبي، بتعطيل المحاولات الخجولة التي بذلتها الجزائر للتوصل إلى بناء مسار تسوية سياسية، هي في متناول اليد في ليبيا.
وباستثناء ملف “داعش” الذي خرج عن سيطرة الدول العربية والإقليمية، وحتى عن سيطرة الولايات المتحدة، فإن الملفين الساخنين في اليمن وليبيا يحتاجان إلى مقاربة سياسية هي في متناول العرب، حتى مع ما نراه من غلوّ إيراني في دعم قوات الحوثيين، وحتى مع تمكن الحوثيين من بسط السيطرة على الجنوب، فإن اليمن قد يتحول إلى مستنقع للإيرانيين يستنزف قواهم، حين يضطرون إلى دعم توطيد حكم الحوثيين في بلدٍ قبلي مدجّج بالسلاح، قد يتحول إلى معقل حصين للقاعدة وربما لـ“داعش” يتمتع بحاضنة شعبية من القبائل السنية، التي لن تقبل بسيطرة حوثية زيدية على اليمن.
يبقى ملف “داعش” في العراق وسورية، الذي لا يشكل تهديدا مباشرا للأمن العربي، وهو في حرب مفتوحة مع حلفاء إيران في العراق وسورية، وبات يشكل تهديدا على القوى الغربية التي ساهمت في تصنيعه، وهو لا يملك حتى الآن فرصة للتمدد جنوبا في اتجاه جزيرة العرب، وليست أذرعه ظاهرة في ليبيا ولا في اليمن، رغم ادّعاءات الحوثيين والطرف المصري، فما حاجة العرب للدخول في حرب مع “عدو العدو” حتى لو كان يضمر مستقبلا تهديدا لبقية دول المنطقة؟
والحال يحسن بالعرب أن يلتفتوا إلى التهديد الحقيقي لأمنهم القومي، الذي سيترتب عن المقاربة الأمريكية الجديدة لإدارة المنطقة بحلفاء جدد، بعد فشلها في العراق وسورية، وإخفاقها في توليد قيادة عربية من الإخوان على خلفية الربيع العربي.
الاتفاق الأمريكي الإيراني القادم يحمل أكثر من تهديد للمنطقة، بتوسع النفوذ الإيراني الذي مهد له العدوان الأمريكي على العراق، وضرب مواطن القوة في العالم العربي بثورات الربيع العربي، بل يحمل تهديدا أكبر وأخطر، بانتزاع إدارة الملف الفلسطيني من أيدي العرب، وتسليمها للثنائي الإيراني الإسرائيلي، فيما يُشغل العرب بفتن جانبية تنسيهم قضيتهم الأولى، الوحيدة القادرة على تجميع كلمة العرب مجددا، لا نحتاج فيها في الوقت الراهن سوى لقرار من قمة عربية جادة، تسقط مبادرة السلام العربي الذي منحناه بالمجان للكيان الصهيوني، هو ما ساهم في توليد ما يسمى بالإرهاب، وساعد على التمدد الإيراني.