حيرة أهل الأعراف
مع غياب منظومة موثوق بها لسبر الآراء، تكون الرسائل التي ترد من القراء هي كل ما يملك الكاتب لتلمس حالة الرأي العام، وتحديدا الفئة المتفاعلة منه مع الأحداث.
انطباعي الأول منها، قد يثلم مواطن الغرور عندي، وعند زملائي من عشيرة الكتاب، لأن قراء اليوم هم في الغالب من رواد الشبكة، كثير منهم على دراية واسعة بالأحداث، وهم فوق ذلك أكثر جرأة حيال سلوك الحكام، وأقل توقيرا لسلالة الساسة.
الانطباع الثاني في المقابل، قد يخدش وجدان طائفة من القراء، أراهم – مع تحررهم المحمود من الصور النمطية المندسة بخبث في مخيالنا الجمعي، لشعوب هي في انتظار دائم لمهدي مخلص قد تخرجه دروب السياسة من قبوه – فإني أراهم مع ذلك يسقطون تباعا في الشراك التي تنصبها الصفوة الحاكمة، وأعوانها في مختلف الدول، لتعبث بهم ذهابا وإيابا بين حدي الرجاء واليأس.
أكثر ما قرأت في ردود القراء: سخطا لا حدود له للساسة، يصيب اليوم الرهط المتربص بالسلطة في دكة الاحتياط من المعارضين الهواة، أكثر مما يسوق لمن هم في ملعبها من هواة اللعب، في مقابلة لأكثر من أربعة أشواط، حتى لو اقتضى الأمر تغيير قوانين اللعبة بين شوط وشط.
منذ أيام، كنت قد ذكرت كل من بات يزور في نفسه فكرة دخول السباق الرئاسي القادم – متى ضمنت له السلطة منع سيدها الحالي من الترشح، وأقسَمَت له بالغموس أمام جميع أولياء الله الصالحين، أنها لن تزور اللعبة – كنت قد ذكرته بما هو عند العامة عين اليقين: أنه من الحمق والخبال الرهانُ على كرم السلطة وسخائها، وكأن أهلها قد رضعوا مع “الأنصار” فهم لا “يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ”.
ولذات الغاية، وبنفس المنطق، أريد أن أذكّر الطائفة من القراء التي لم تحسم الموقف من السلطة ومن الدولة: رجاء أو يأسا، أن الوقوف بين المنزلتين يكون كحال من هم على الأعراف ينادون “أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ” ولو أن أبصارَهم صُرِفت كما صُرِفت أبصار أصحاب الأعراف لكانوا قالوا: “رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ”.
فأهل الدولة في جميع العصور كانوا من القوم الظالمين، بل حولوها في العصر الحديث إلى مؤسسة إجرامية صرفة، فكيف لمن اطلع على ما في الدولة الحديثة من فساد مبرمج في حمضها النووي، يورث السلوك الفاسد، والجرأة على الظلم، حتى للثلة القليلة من الصالحين، حين تفتح لهم أبوابها ثم تغلق عليهم، فيقال لبعضهم: “هَيْتَ لَكَ” فلا يقولون ما قاله يوسف: ” مَعَاذَ اللَّهِ… إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ”، فكيف له أن يظلم نفسه، كمن يعلق حبل الرجاء بالقشة وهو ظالم لنفسه، إلا إذا كان مثل الغريق قد ترك أسباب النجاة، بالسباحة: إما ركوبا لأول موجة تصادفه، أو حتى السباحة ضد التيار، وأن يعتبر بقصة النبي يونس “إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ”.