حي “بارباس” في باريس.. قِبلة المشتاقين لـ”ريحة البلاد”
أزقته، شوارعه، مقاهيه، مساجده وأسواقه… تنبعث منها “رائحة البلد” التي تقاوم مشاعر الغربة، إنه حي “بارباس” في العاصمة الفرنسية باريس، حيث تستوطن الجالية العربية والمغاربية بالخصوص، فارضة منطقها، عواداتها وتقاليدها، فأينما تولي وجهك يقع ناظرُك على ملامح “الوطن الأم” ظاهرة للعيان؛ في طريقة الكلام واللباس.. وفي الأطباق التي تحضّرها المطاعم.
“الشروق” تجوّلت في حي “بارباس” ووقفت على مشاهد ومظاهر تصنعها الجالية الجزائرية التي وقّعت بصمتها الخاصة في أرجاء هذا الحي، فالذين هاجروا من الجزائر إلى عاصمة الجن والملائكة، انخرط غالبيتهم في التجارة، ففتحوا مقاهي ومطاعمَ وحتى حمّامات…يقصدها المهاجرون العرب وحتى الأوربيين الذين يتدفقون عليها نظراً للخدمات المتميزة التي تقدمها، فأي جزائري تطأ أقدامه باريس، إلاّ ويزور “بارباس” بحثا عن “رائحة” البلد، التي تخفف عنه آلام مفارقة الأهل والأحباب. وتُعدُّ محطة الشمال للنقل في باريس بوابة للولوج إلى حي “بارباس”، فهي مكان استراتيجي لما تتوفر عليه من وسائل النقل من ميترو وقطارات سريعة وحافلات.. تمكن من الذهاب إلى أي مكان في باريس أو حتى خارجها إلى مدن أخرى في فرنسا، فضلا على توفر محيطها على مطاعم ومقاه وفنادق بأثمان معقولة .
المتجول بين أزقة “بارباس” وشوارعه لا يشعر بالغربة، نظرا للتشابه الكبير بينها وبين كثير من المدن الجزائرية على غرار الجزائر العاصمة ووهران وعنابة… التي تحمل اللمسة الفرنسية في العمران.
“شمّة” و”دخان” البلاد.. حاضران في “بارباس”
أكلاتٌ تقليدية تنافس الأكلات الباريسية
استطاعت الجالية الجزائرية المتواجدة بحي “بارباس” في باريس، أن تسوِّق لتراثها وأطباقها الشهية، فوجدت في المطاعم تجارة مُربحة عرّفت بأكلات أضحت تُسيل لعاب حتى الفرنسيين أنفسهم الذين يقبلون على تناولها؛ فالبغرير والمدلوك والمحاجب والدوارة… حاضرة بقوة وأصبحت تنافس الأكلات الباريسية؛ ففي هذه المطاعم لا تجد زبائنها فقط من الجاليات العربية والمسلمة بل تتعداها إلى أوربيين، صاروا يعرفون أسماء الأطباق الجزائرية التقليدية، ويطلبونها على موائدهم.
قبالة محطة الميترو دخلنا إلى مطعم يديره شبانٌ ينحدرون من جيجل، حيث أضحى معروفاً بالنظر إلى الأطباق التقليدية التي يعدُّها فضلا عن أثمانها المعقولة، ناهيك عن كونه ملتقى للمغتربين الذين يتجاذبون أطراف الحديث حول مختلف القضايا، بما فيها أوضاع البلد الأم، فالكل يحكي عن ظروف إقامته في فرنسا والصعوبات التي يلاقيها، خاصة في ظل شحّ فرص العمل.
مسجد الفتح.. منارة للعربية والإسلام
مسجد الفتح ليس مكانا لأداء الصلوات فقط، بل يحتوي أيضا على مدرسة لتعليم اللغة العربية، حيث تحرص الجاليات المسلمة على تعليم أبنائها الصغار لغة الضاد، لحفظ القرآن وتعلم قواعد الإسلام، خوفا عليهم من الانصهار في الثقافة الغربية التي جرفت كثيرا من أفراد الجاليات المسلمة، وطمست هوياتهم الأصلية، فالمساجد على غرار الفتح، تحاول الحفاظ على القيم الإسلامية في مجتمع فرنسي، غذاه اليمين المتطرف بقيادة لوبان بأفكار عنصرية قائمة على العداء لكل ما هو عربي ومسلم، فالحجاب حاضر بقوة في عاصمة الجن والملائكة على الرغم من المضايقات ونظرات الاحتقار التي يرمي بها كثير من الفرنسيين المحجبات والمنقبات.
ولا يخلو مسجد الفتح من مظاهر التكافل الاجتماعي، فكل من هو بحاجة إلى مساعدة مادية يقصده، إذ يصطف خارجه المعوزون ومن تقطعت بهم السبل في ديار الغربة، فيستجدون المصلين التصدق عليهم بما استطاعوا عليه. تصادفنا مع شيخ مغربي كان يطلب العون من أجل تأمين مصاريف العلاج لابنته، التي تعاني من داء السرطان، وكان المصلون يغدقون عليه بالصدقات.. أما خارج المسجد فكان مجموعة من الباعة يعرضون السواك وقاروات المسك والسبحات..
الجالية العربية والمسلمة، بحي “بارباس” خاصة الجزائرية، لديها ارتباط روحي بـ”البلد الأم”، فهي تحاول أن تصنع التميُّز من خلال الحفاظ على عاداتها وتقاليدها التي لم تمحُها سنوات الغربة ولا مفاتن الحضارة الأوربية، مواجهة بذلك العنصرية المقيتة الممارسة ضدها من طرف اليمين المتطرف، الذي يجعلها في كل مرة وقودا لحملاته في الاستحقاقات الانتخابية.