قصر “موسى أق أمستان” بتمنراست… صرحٌ تاريخي يتهاوى في صمت
في قلب حي صور بولاية تمنراست، يقف قصر “الأمنوكال” موسى أق أمستان شاهداً صامتاً على حقبة ذهبية من تاريخ إموهاغ والمقاومة الشعبية. هذا المعلم الذي شُيد عام 1908م، لم يعد اليوم سوى بقايا جدران تحكي قصة إهمال طال أمدها، وسط نداءات متكررة من الأحفاد والناشطين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إرث زعيم “هقار”.
يُعد موسى أق أمستان (1867 – 1920) رمزاً سياسياً واجتماعياً فذاً ، تولى زمام تمنوكلا أو “أمنوكال نهقار” (زعيم القبائل) منذ عام 1905 وحتى وفاته. عُرف بحكمته وشاعريته، وكان القصر أوصورو بالتارقية، الذي بناه في حي “صور” مركزاً لإدارة شؤون المنطقة ومقصداً للوفود، ليتحول مع مرور الزمن إلى رمز للهوية الثقافية في الجنوب الجزائري، تم بناؤه خصيصا للأمنوكال. أما المناطق المحيطة بالقصر فقد كانت تقطنها عائلات العلماء والأمنوكال المنحدرين منها، وهكذا نشأ أقدم أحياء تمنراست، وهو حي صورو، وقد كان هذا الأخير يمتد حتى جبال ادرين أين كانت توجد أهم البساتين والواحات.
ويحتل القصر حيزا كبيراً محاطا بأسوار سميكة للحماية من الأخطار الخارجية، بالإضافة إلى الأخطار الطبيعية القاسية. أما عن المواد المستعملة في البناء، فهي الطوب المصنوع من التراب أو الطين، التي يتجاوز سمكها 90 سم للحيطان الخارجية ومن 50 إلى 60 سم للحيطان الداخلية. وقد تم وضع الطوب على الطين. أما السطح، فكان من جذوع الشجر تعلوها طبقة من الطين يبلغ سمكها 20 إلى 30 سم. أما أساس البناء فمبني بحجر كبير.
عندما تأتي إلى القصر إلى الجهة الشرقية، تقابلك البوابة الرئيسة، وهي على الأرجح المدخل الرئيسي للقصر، وهي تأخذ شكل عمودين متقابلين يجمعهما إلى الأعلى قوس وضع على نحو بالغ من الدقة والجمالية، على طريقة المباني الرومانية القديمة، وهو ما يترجم التواصل والتأثر الكبير بالحضارات العريقة، وخاصة منها الفينيقية التي تجمع بينها وبين حضارة إموهاغ عدة روابط. ومن خلال الملاحظات الأولية للقصر، نرى أنه يأخذ الطابع العسكري، بسبب المكونات التي يحتويها، فهو يحتوي على أبراج للمراقبة.
واقع مرير وصرخات استغاثة
رغم القيمة التاريخية الكبيرة لهذا المعلم، إلا أن الزائر اليوم لحي “صور” يصطدم بواقع “يرثى له”. فالقصر الذي صمد لأكثر من قرن أمام قسوة المناخ، بدأ يستسلم للإهمال البشري وغياب الصيانة.
ع. بيلال (أحد أحفاد الأمنوكال): يعبر عن حسرته قائلاً: “القصر في حالة يرثى لها بكل ما تحمله الكلمة من معنى. نحن كأحفاد نرى تاريخ أجدادنا يتساقط أمام أعيننا، وننتظر تدخلاً عاجلاً من السلطات والجهات المعنية لترميم هذا الصرح قبل أن يختفي تماماً.”
و. موسى (ناشط جمعوي): يضيف بنبرة ملؤها الغضب والتساؤل: “القصر يتهاوى شيئاً فشيئاً، ولم يتبقَّ منه إلا القليل. لا نعرف ماذا تنتظر السلطات للتحرك؟ إن ضياع هذا القصر هو ضياع لجزء من الذاكرة الوطنية الجزائرية.”
في انتظار التفاتة الوزارة
يجمع المهتمون بالتراث في المنطقة على أن وضعية القصر الحالية تتطلب “عملية استعجالية” تتجاوز مجرد الوعود. وتتوجه الأنظار اليوم إلى وزارة الثقافة والفنون لإدراج المعلم ضمن مخططات الترميم والحماية، وتحويله ربما إلى متحف يروي سيرة الأمنوكال وتاريخ منطقة الهقار.
يبقى السؤال مطروحاً: هل ستصل صرخة هؤلاء إلى مكاتب المسؤولين، أم إن قصر “موسى أق أمستان” سيصبح مجرد سطر في كتب التاريخ بعد أن تسويه الرياح بالأرض؟