الجزائر
متطوعون من نوع خاص في قسنطينة

خالد يصبغ الجسور المعلقة وسمير يُعبّد الطرق المؤدية إلى المغارات

س. ر
  • 1767
  • 0
ح.م
تعبيرية

الانتعاش اللافت للسياحة في قسنطينة، ولّد الكثير من المبادرات، بعضها بلغ درجة المغامرة وأحيانا الإبداع، والبعض الآخر كان على شاكلة “خضراء بإذن الله”، وبين هذا وذاك تبقى السلطات البلدية تتفرج وترفض الخوض ولو بالمدح أو الانتقاد.
لم يعد غريبا أن ترى مواطنا يرتدي بذلة رياضية، ويحمل آلات الكنس والجمع والحفر، ويقوم على حواف جسر الملاح بكنس وتحميل جبال من الزبالة، تنتظرها شاحنة لمتطوع من أصدقائه لنقلها إلى مكان الردم، أو يُقيم في ساحة ما، تجمعا للحمام، يُطعمه ويقضي يومه قربه، لتتحول هذه الساحة أو تلك إلى مجمّع للحمام.

خالد يتحسّس من نقش الأسماء وفرق الكرة على الجسور
استغل خالد، وهو شاب في الثانية والثلاثين من العمر، عطلة الفاتح من نوفمبر الأخيرة، ليمارس واجبه وليس هوايته كما يقول في صباغة الأعمدة والحواجز الحديدية لجسر الملاح أو جسر المصعد كما يسمى.
خالد كان قد نشر على صفحته في شهر أكتوبر، صورة الجسر وعليها رسومات وكتابات، مشوهة فعلا للجسر، الذي صار يجد سياحا، بأعداد تزيد عن الذين يزورون جسر “سيدي مسيد” أو “الحبال”، لأن الجسر للمشاة فقط، وغير بعيد عنه توجد أماكن ركن السيارات عكس جسر “سيدي مسيد” الذي تمرّ عبره السيارات.
وبعد أيام لاحظ خالد بقاء الأعمدة الحديدية على حالتها المشوهة، فاقتنى كعادته علبة طلاء حديد أسود داكن، ولبس الثياب الخاصة بحرفة الصباغة، وراح يقضي على التشوهات التي طالت الجسر الساحر الذي يمنح لكل عابر منه الاهتزازات المثيرة.
ما يُقلق خالد أن الكتابات في الغالب ليست بقلم ملون أو طلاء، وإنما نحت حقيقي بالمسامير والآلات الحادة لأسماء مدن وفرق الكرة الجزائرية وأسماء أو قلوب وغيرها من الكلمات بما فيها البذيئة.
يتمنى خالد مثل عامة الناس، أن تسحب بلدية قسنطينة، واحد من عمال المكاتب لتضعه مراقبا لهذا الجسر أو تزوّده بكاميرات مراقبة، لعل ما يطوله من تشويه، سواء بالكتابات المشوهة أو رمي القاذورات يتوقف أو على الاقل ينقص.
خالد يروي لـ”الشروق اليوميا كيف حوّل مبادرته من فكرة إلى تطبيق، فقد كان يتجول في أحد الأيام الصيفية، برفقة أحد معارفه، من خارج المدينة عبر جسر “سيدي مسيد”، ولكنه شعر بالحرج من الرسومات وأسماء فرق الكرة منقوشة في كل مكان، حتى صعُب على صديقه التقاط صورة جميلة أمام الحواجز الحديدية للجسر المليئة بالكتابات والرسومات.
عاد خالد إلى بيته متوجعا، وفي اليوم الموالي توجه إلى بائع أجود أنواع الطلاء، واقتنى علبة كبيرة من دون أن يُحدث أي كان أو يستشيره، فباشر عمله الذي يتقنه أصلا، ومسح كل تلك النقوش المشوهة.. وللتي عادت للأسف بعد أيام.
ولخالد مغامرات كثيرة في قيادة المتطوعين لغرس الأشجار وتنظيف الأماكن السياحية والمعالم الأثرية.
خالد غرزولي الذي شارك بقوة وبفرح في مبادرة المليون شجرة، هو عون بسيط في مدرسة ابتدائية، أنشأ صفحة فايسبوكية خاصة بحي الشهداء، تولى منذ أن عمل في مدرسة ابتدائية، الاهتمام بنظافتها ونباتاتها إلى أن يحوّلها إلى حديقة غنّاء وجعل تلامذتها يفتخرون بها ويساهمون في تنظيفها.
يقول خالد الذي سبق له تنظيف حواف جسر الملاح قبل أن يقوم في نوفمبر الحالي بصباغة أعمدته الحديدية، أن يتحسس ما يرميه الناس من قاذورات ويشعر بالإحباط والكآبة عندما يرى أطنانا من الأوساخ. حلمه لا يزيد عن مدينة وحي نظيف وفقط.

سمير من كَشفِ المغارات إلى تعبيد الطرق للوصول إليها
سمير وأسرار سيرتا، ابن حي فج الريح سابقا، تعدّت شهرته الحدود، فقد استقبل هذا الصيف فقط ما لا يقل عن عشرين جنسية، من سياح وسائحات أثارتهم فيديوهاته وهو يشق المغارات والأنفاق التي تصنع اللغز السياحي في قسنطينة،مغارات تعود بعضها إلى الزمن الروماني كمسالك حربية لا يعرفها أحد وأخرى تعود إلى الزمن العثماني حيث كان البايات يتنقلون من قصورهم إلى أماكن سياحتهم أو حماماتهم ومساجدهم، وأخرى من إنجاز الاستعمار، إضافة إلى مغارات أنجزها المجاهدون، هذا العالم العجيب الذي نقله سمير لعدة سنوات على مواقع التواصل الاجتماعي، وضعه أما أمواج من السياح من داخل، وخاصة من خارج الوطن تطلبه دليل، ينزل بهم سفوح الجسر ويقودهم في رحلة فيها الكثير من المغامرات.
ما يقوم به سمير يستعصي على زوار المدينة، فهم يخشون بعض الأماكن لتضاريسها الصعبة، وهو ما جعله يقوم بعملية تشبه تعبيد الطرقات، عبر فأس قد ترافقه ليوم واحد من التسوية وإزالة الحجارة.
يقول سمير: “هناك مغارات، الوصول إليها صعب على كبار السن أو النساء المكتشفات، لأجل ذلك تطلب مني برفقة صديقين بذل جهد، لأجل فتح مسالك بطرق بدائية “فأس وباله”، لنزع الحجارة والصخور حتى يمكن الوصول إلى بعض المغارات. ومع كل عمل يوجّه نداء للسلطات: فقد حان بحسبه الوقت للاهتمام بهذا الكنز السياحي الفريد من نوعه في العالم.
سمير الذي باشر عمله في نوفمبر الحالي، يرى أن جسور قسنطينة وخاصة سفوحها ومغاراتها لا فصل سياحي لها، فالسياح يأتون في كل الشهور، وحتى في زمن الحرّ عندما يزيد مقياس الحرارة عن الأربعين، حيث تكون السفوح والمغارات في جو منعش ويصل إلى دون العشرين مئوية، وموازاة مع مطلبه ومطلب الكثيرين، لأجل بعث درب السياح وإنجاز مصعد جسر سيدي مسيد، الذي وعدوالي الولاية الحالي، بإعادته للعمل بعد أكثر من نصف قرن من التعطل، كما أن بعض المسالك المؤدية إلى الأنفاق والمغارات صارت تتطلب التفاتة عملية جادة كما قال سمير.
وكما وجد فؤاد صاحب صيحة خضراء بإذن الله وزارة الفلاحة وحكومة بأكملها وشعب بأكمله تبنوا مشروعه البيئي الكبير، يتمنى خالد وسمير وغيرهما من أصحاب المبادرات الجادة والهادفة دعما ليس ماليا،وإنما هبة على أمل تحقيق ما يتمنوه من تحويل الجزائر إلى قبلة سياحية تسرّ الزائرين والناظرين.

718 سائح من خمس قارات في أكتوبر

أحصت مديرية السياحة وولاية قسنطينة، خلال شهر أكتوبر فقط من هذه السنة، 718 سائح أجنبي، زاروا معالم المدينة ومنها الجسور التي يحافظ على لونها خالد والمغارات التي يريد سمير الوصول إليها في راحة، دون عدّ السياح من الجارتين الشرقيتين، وبحسب بيان الولاية فإن هؤلاء السياح قدموا من القارات الخمس، حيث تم تسجيل حضور سياح من أستراليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان والصين والأردن وروسيا وبريطانيا واليونان وبولونيا وإيطاليا، دون عدّ تونس وليبيا التين كانتا خارج الإحصاء لأن أعدادهما بالآلاف.
هذه الأعداد المتزايدة والقادمة من ثقافات متنوعة جعلت المواطنين، يدخلون في الشأن السياحي كل حسب مقدرته، وما قام به سمير أو خالد هو قليل من المبادرات الكثيرة، التي تهدف إلى وضع قسنطينة والجزائر عموما في الحلة التي تليق ببلد هو من أجمل بلاد العالم، أو كما سمته واشنطن بوست الامريكية بعملاق السياحة النائم، والذي يفتقد لرتوشات خفيفة ليجد له مكانا على الخارطة السياحية العالمية

مقالات ذات صلة