الشروق العربي

ختان الصبيان في الجزائر.. بين السنة واتباع العادات

نسيبة علال
  • 715
  • 0

بمجرد أن تنجب إحداهن صبيا، تتوالى عليها التبريكات والفأل، بانتظار ختانه.. فيقول الجميع: “العاقبة لختانه”. وكأن ذلك حدث أهم من ولادته. فأغلب المناطق من الوطن تولي أهمية بالغة لهذه المناسبة، وتحييها وفق طقوس خاصة، ليس فقط لكونها سنة مؤكدة من السنن الفطرية في الإسلام، وإنما لاعتبارها من العادات الاجتماعية الراسخة التي لها أبعاد دينية وأخرى عرفية.

هناك اتفاق بين الفقهاء على وجوب ختان الذكور، واختلفوا في الوقت المناسب له، فيفضل أن يكون الختان في صغر الصبي قبل البلوغ، حتى ينشأ على الحسن والكمال. وهناك من يعتبر السنوات الأولى قبل سن السابعة، أفضل فترة لختان الصبي، لتحقيق الطهارة والنظافة. ومع أن السنة في الإسلام لم تحدد وقتا مناسبا للختان، إلا أن العائلات الجزائرية، واتباعا لنصائح الكثير من الأطباء، أصبحت تختتن أبناءها الرضع بعد الولادة، حتى يشفوا بسرعة.

السنة تتحول إلى طقوس احتفالية

لا يوجد في تاريخنا الديني ما يدل على أن المسلمين كانوا يقومون بطقوس معينة عند ختان أبنائهم. على العكس تماما، كان الموضوع خاصة لدى العرب القدماء يتم في سرية تامة ولا يخرج إلى العلن. يقول الأستاذ في علم الاجتماع، لزهر زين الدين: “بدأت طقوس الاحتفاء بالصبي الذي يتم ختانه، أو كما هو شائع القول “تطهيره”، لدى المجتمعات التي تعطي أهمية بالغة للذكر مقارنة بالأنثى، وسبق أن اعتبر هذا الحدث مهمّا، لأنهم يهيئون به الطفل الصغير ليكون شابا، فيطهرونه ليحدوا من شهوته، ويعلموه الصبر والانضباط منذ الصغر، ويتم الاحتفال بذلك بتوزيع الطعام وقد تطورت الطقوس والمعتقدات مع مرور الزمن لتصل إلى ما هي عليه اليوم”.

من البساطة إلى قاعات الأفراح

كانت الاحتفالات تتزامن تماما مع ختان الصبيان في الأمس القريب، حين كانت العلاقات الاجتماعية وطيدة ويمكن للنسوة أن يتعاون ويعتمدن على بعضهن لتتمكن والدة الصبي من الاعتناء به، بينما تتكفل بقية نساء العائلة بالإطعام والتنظيم.. يصطحب الطفل صباحا إلى عيادة الطبيب أو يجلب هذا الأخير إلى فراشه، لينجز العملية في دقائق معدودة، ترتفع الزغاريد بعدها مباشرة معلنة بداية الفرح، فترقص الفتيات العزباوات على قرع الطبول والبندير، ويتم توزيع الطعام على الجيران أو دعوتهم لتقاسمه مع العائلة، وفي مساء ذلك اليوم، ولإلهاء الصبي الذي تم ختانه عن آلامه، تجتمع حوله عجائز العائلة يغنين المدائح الدينية والأشعار الشعبية ويخضبن يديه بالحناء، ليتقدم الحضور بالـ”تاوسة”، وهي مبلغ من المال، كل بحسب مقدوره، يهدى للصغير.

أما اليوم، فقد تمت إعادة برمجة كل ذلك، ليخدم راحة الأم وصغيرها، وليكون على شكل استعراض مبهر، تتنافس أمهات الصبية على تقديم الأفضل فيه، أولا بألا يتزامن الاحتفال مع عملية الختان، أي أن يكون قبلها بأيام أو بعدها بأيام، وبحكم سيطرة البرستيج وظهور عشرات العادات المستحدثة، أصبحت العائلات تلجأ إلى قاعات الأفراح، من أجل احتفالات الختان، التي اختزلت من أيام إلى ساعات، تتضمن تصديرة الأم مع صغيرها بملابس تقليدية وحتى عصرية، ووصلات غناء يتبعها الرقص، أما جلسة الحناء التي كانت أهم طقوس احتفالات الختان، فقد تم إلغاؤها بالكامل في العديد من مناطق الوطن، خوفا من السحر وتجنبا لبعض المعتقدات البالية.. تقول السيدة نضيرة، أم التوأم حسن وحسين: “انتظرت بفارغ الصبر ختانهما، وكانت فرصة لنقيم عقيقة على كليهما أيضا، لا ينكر جميع المدعوين أنهم حضروا عرسا ضخما بكل تفاصيله، قمت بكراء ملابس لنا لنستعرضها في تصديرة مشوقة، ونلتقط صورا تذكارية، وأقمت مأدبة عشاء فاخرة وحلويات تقليدية، وأحضرت مطربين لإحياء الحفل.. تطلب الأمر منا مبلغا معتبرا، جمعناه على مدى سنتين، لأن الختان في عائلتنا حدث يستحق ذلك”.

مقالات ذات صلة