الرأي

خديجة حمدي… والرحيل نحو الشمس

حمدي يحظيه
  • 599
  • 0

عنوان هذا المقال ليس من بنات أفكاري، إنما هو عنوان سيل من التعازي والنِعْيّ أبَّنَ به الصحراويون الراحلة خديجة حمدي، أرملة الرئيس الصحراوي الراحل محمد عبد العزيز. الغريب أن الذين كتبوا تعازيهم وتأبيناتهم تقاطعوا في هذا العنوان، وهو بالمناسبة، قبل أن يكون من إبداع الصحراويين المكلومين بفقد ابنتهم البارة، هو من إبداعها هي نفسها، وسبق أن عنونت به روايتها الشهيرة: الرحيل نحو الشمس.

للقدر… الكلمة الفصل
لم تكن ابنة الصحراء الغربية، خديجة حمدي، الشابة الذكية، تعتقد يوما أن القدر سيسوقها في درب آخر غير درب أحلام الشابات العربيات الذكيات مثلها اللاتي لهن طموح جامح مثل مواصلة الدراسة بعيدا في المشرق أو في سوريا أو في مصر أو لبنان. حين كانت تجلس على مقاعد المرحلة الثانوية، اندلعت ثورة التحرير في الصحراء الغربية، ووجدت الشابة الطموحة نفسها -حسب حكاية إحدى قريباتها- تساعد والدتها في أول عمل ثوري له علاقة بتلك الثورة، في دار في مدينة تندوف، وهو خياطة العلم الصحراوي بألوانه الأربعة المعروفة، وخياطة ثياب لمقاتلين مجهولين بالنسبة لها.

تواصل تلك السيدة حكيها عن خديجة: “قالت يومها، وهي تنظر إلى ذلك العلم الذي كانت تخيطه والدتها وجاراتها أنه يشبه العلم الفلسطيني”. من يومها كان للقدر كلمة فصل أخرى وفعل آخر في تغيير مسار حياتها. انخرطت الشابة في الثورة الصحراوية، وفيها دفنت كل احلامها وطموحاتها، ووظفت كل طاقاتها لها كأنما كان القدر يهيئها لتكون شمعة تتوهج في تلك الثورة العظيمة لتضيء دربا طويلا من النضال والكفاح.

تقول تلك المرأة التي تعرف خديجة جيدا وهي تتحدث عن التغير الجذري الذي طرأ على حياة الشابة خديجة: منذ خاطت ذلك العلم في ذلك اليوم الخريفي من نهاية سنة 1974م، تغيرت حياتها جذريا”. هذا يعني أن احلام الدراسة في المشرق وفي مصر وفي لبنان وسوريا التي طالما داعبت خيالها انطفأت، وأن دربا جديدا يضيئه شعاع باهر قد انفتح أمام عينيها وخيالها فغيّر مسيرة حياتها.

درست المرحلة الجامعية في وهران، من ضمن طلبة حركات التحرير الذين كانت تستضيفهم الجزائر، مكة الثوار، لكن كانت كمن يدرس وهو جالس على الجمر. كان خيالها متعلقا كله بالثورة في الصحراء الغربية وبالحرب، وكانت تحلم أن تساهم فيها.

زوجة قائد الثورة ورئيس الجمهورية
الشابة التي كانت تتفجر نضالا وحماسة ثورية رمت بها يد القدر إلى مركز الأحداث، إلى عين الإعصار. وجدت نفسها هكذا، فجأة، ومن دون تحضير، في مركز خطير وهو زوجة قائد الثورة ورئيس دولة يقود شعبا لاجئا. معتمدة على ثقافتها ومواهبها وبراءتها، اعتمدت خديجة فلسفة خاصة بها لا تعتمد على بروتوكولات ولا على اتيكيت، ولا على مراسيم، وكان أول فعل قامت به بقناعة هو إنها شيدت خيمتها – خيمة رئيس الدولة والأمين العام للبوليساريو – بين خيام المواطنات، بلا حراسة وبلا بروتوكول وبلا إجراءات وحتى بلا أبواب وبلا مواعيد.

كانت تستطيع أن تعيش في مكان آخر أكثر رفاهية أو في منزل مريح، لكن فلسفتها أملت عليها أن تكون في مركز اللجوء، تحت الشمس ووسط الرمل الصحراوي، تحت الخيمة مثل نساء كل المقاتلين والمناضلين، تقاوم الريح وتخيط الخيمة إذا تمزقت، وتستقبل الزوار الذين لا مواعيد لهم وتتسلم رسائل المطالب والشكاوى الموجهة إلى الرئيس من طرف شعب لا يعرف البروتوكول ولا المكتب ولا التوقيت ولا ديوان الرئيس وإدارته.

رغم ذلك الضغط الهائل، تمسكت خديجة بفلسفة التواضع والصبر وخدمة الجماهير، وفي وقت قصير كسبت قلوب كل ذلك الشعب الذي لا يعرف البروتوكول ولا المواعيد، والذي يريد، كله، لقاء الرئيس شخصيا ومباشرة. لكن ذلك الشعب البدوي الحر، رغم عدم اعترافه بالبروتوكول، هو شعب طيب، ويعترف للناس بخصالهم، وسرعان ما اعترف لخديجة إنها سيدة مجتمع، وأنها مناضلة فانتخبها أكثر من مرة في الأمانة الوطنية وفي البرلمان وهي كارهة لتلك المسؤوليات.

ذلك الشعب الطيب الذي اعتبر قلب خديجة خندق أمان له، بكاها كله دفعة واحدة وبحرقة، وحزن عليها كله، وكل شخص منه أحس إنه فقدَ بنتا عزيزة عليه. بتلك المعاملة الطيبة والصبر، وضعت خديجة حجر أساس لسمعة محلية لم تلبث أن تخطت الحدود.

شعلة من النضال والحماس
من تحت ظل تلك الخيمة، ومثلما تنسج بأصابعها حصيرا تجلس عليه هي وعائلتها، بدأت خديجة تطبق فلسفتها، وتنسج أسطورتها؛ أسطورة امرأة من الصحراء حررت الثورة والنضال طاقاتها، وألقت بها في خضم المعركة لتكون نموذجا ورمزا لكل النساء الصحراويات وكل النساء الثوريات.

في تلك الخيمة التي لا حراسة عليها، ولا أبواب لها، حين يكون الرئيس في إجازة من الحرب والمعارك، تتحول إلى مكان تجتمع فيه الحكومة، تُستقبل فيها الوفود والشخصيات، فتتحمل خديجة المناضلة العبء وحدها، وتصبح هي مايسترو كل تلك الأحداث: تستقبل الوفود، الوزراء، القادة، الصحافة، تطبخ للجميع، تبتسم للجميع، وإذا حان موعد الحملة أو النظافة تخرج خديجة مع جاراتها للنظافة ولتوزيع المواد الغذائية.

ولم تكتف بدور إنها زوجة الرئيس، أكبر سلطة صحراوية، بما يوفر ذلك من أريحية، لكنها فجرت طاقاتها كلها لخدمة القضية، واشتعلت شعلة الحماس والنضال التي كانت محبوسة في أعماقها فتحولت إلى سيدة مجتمع حقيقية تناضل على أكثر من جبهة، وتقوم بأكثر من مهمة.

لم يسمع الصحراويون يوما أي أحد يقول أن خديجة رفضت استقباله، أو رفضت مساعدته، أو لم تبتسم في وجهه؛ بالعكس، كلهم يقولون أن زواجها من رئيس للشعب الصحراوي أضر حياتها كثيرا، وحرمها من أن تكون سفيرة أو شخصية عالمية محترمة بسبب ما تتمتع به من ثقافة وذكاء وحنكة.

صحفية، كاتبة، دبلوماسية، برلمانية ووزيرة
ورغم أن النضال كان يستهلك طاقاتها كلية، لم تنس تلك السيدة جوهر الحياة في مسيرة أية امرأة وهو تكوين عائلة وإنجاب أطفال، وأكثر من ذلك تربيتهم تربية يكونوا فيها في مستوى أمهم وأبيهم. في قلب المخيم، عاندت خديجة كل الظروف كي تكون أُمَّا مثالية، وتكون مناضلة رائدة في نفس الوقت. ورغم صعوبة التوفيق بين مسؤولية الأم المقدسة ومسؤولية النضال، خاصة في الظروف التي عاشها الشعب الصحراوي، إلا أن تلك السيدة وفقت بين المهمتين. حين كانت مسؤولة عن الإعلام والتوجيه في اتحاد النساء الصحراويات، فتحت في الإذاعة الوطنية برنامجا يتم من خلاله الاستماع لصوت المرأة الصحراوية، كانت هي التي تعده وتنشطه كصحفية، وهي التي تتحمل مشقة السفر بين المخيمات لتجري مقابلات ميدانية مع النساء.

من خلال تلك التجربة اقتحمت خديجة ميدان الكتابة من بابه الواسع، وأبدعت في الشعر والقصة القصيرة والرواية والمقالة السياسية والاجتماعية. طُبعت روايتها في الجزائر، لبنان، الأردن، وتعرفت على كبار الكتاب في العالم العربي، وقرأ قراء العربية روايتها “الرحيل نحو الشمس” ومجموعتها القصصية “مرافئ الرمل” فاكتشفوا معاناة شعب بسيط جميل، كتبها مداد امرأة تسكن وتقاوم في صمت في مخيمات منسية على هامش العالم. بالإضافة إلى كل هذا كانت دبلوماسية بالفطرة، فقد ادهشت كل الأجانب الذين كانوا يزورون الشعب الصحراوي، وكل من تعرّف عليها أو استمع إليها خرج بانطباع أن هذه السيدة عظيمة جدا، وتستحق منصبا في المنظمات النسوية العالمية.

أقامت علاقات مع نساء رؤساء أفارقة كُثر، ومع وزيرات في كل العالم، ومع ناشطات في المجتمع المدني، ودافعت بشراسة عن المرأة الصحراوية والمرأة الإفريقية في كل المحافل التي شاركت فيها. ورغم أنها كانت، منذ البداية، هي المؤهلة رقم واحد كي تكون هي الأمينة العامة للاتحاد الوطني للمرأة الصحراوية، إلا إنها كانت تقول دائما “لا”، لا رجعة فيها، وظلت ترفض أية مسؤولية تتنافى مع فلسفتها التي ترى أن النضال هو تكليف وليس تشريفا.

خاضت تجربة عضو في البرلمان على مدى عهدتين، وفي الأخير أقحمها رفاقها في القيادة، من دون موافقة منها ومن دون علم، في مسؤولية كبيرة هي وزارة الثقافة، كوزيرة مؤقتة فقامت بالمهمة على أحسن وجه، ثم أصبحت وزيرة رسمية فيما بعد.
لكن كان لا بد للشعلة أن تخمد، وللشمعة أن تطفأ في يوم من الأيام. كان لتلك المرأة العنيدة في مواجهة الصعوبات وفي النضال روح رقيقة لم تتحمل الصدمات الكبيرة بعد وفاة والديها وزوجها، فسقطت مريضة، ثم رحلت نحو الشمس بعد أن أدت الأمانة للشهداء.

مقالات ذات صلة