-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

خسائر أوروبا من عدائها للعرب والمسلمين

حبيب راشدين
  • 4320
  • 0
خسائر أوروبا من عدائها للعرب والمسلمين

الانزعاج الأوروبي من نتائج الاستفتاء على تعديل الدستور التركي له ما يبرره بالنظر إلى ما ستفقده أوروبا من تحرر الأتراك من وهْم الالتحاق بالنادي المسيحي الأوروبي، واستعداد أردوغان لقطع جسور التواصل مع الفضاء الأوروبي الذي تعاملَ مع تركيا بذهنيةٍ عنصرية دينية صرفة، وربما كان الترحيب الأمريكي بنتائج الاستفتاء دليلا آخر على طبيعة التداعيات الجيوـ سياسية للقطيعة المرتقبة بين أوروبا وتركيا.

دول الإقليم، ومنها الدول العربية، تحتاج إلى قراءة إيجابية لهذا الحدث الذي يمنح أكثر من فرصة لعودة تركيا نسبيا إلى فضائها الإسلامي الطبيعي بعد مُضيِّ قرابة قرن عن القطيعة التي أحدثتها الزمرة الأتاتوركية، والتي حوّلت تركيا بعد تفكيك الخلافة إلى أداة من أدوات مخطط “سايكس بيكو” قبل أن تتخذ منها حليفا مؤتمَنا للكيان الصهيوني، ودولة وظيفية لحلف النيتو كان لها دورٌ متقدمٌ في توجيه فوضى الربيع العربي.
على المستوى الجيوـ سياسي ستكون أوروبا هي الخاسر الأكبر، وهي التي تعاملت بكثير من الاستعلاء مع تركيا قبل الاستفتاء وأثناء إجرائه وبعد ظهور النتائج، وخضعت لضغوط اللوبيات الصهيونية التي تقودها إلى حتفها بظلفها، ليس في إدارة ملف العلاقات مع الجارة تركيا فحسب، بل أيضا مع الجارة روسيا ومع بقية جيران أوروبا من العرب، في مسار انتحاري سوف يحرم أوروبا من لعب أدوار ذات شأن في الترتيبات الجارية لإعادة توزيع أوراق اللعبة في العلاقات الدولية.
وفي مكان ما، نرى رأي العين اللعبة الخفية المركَّبة التي تديرها الولايات المتحدة عن بُعد لمنع انتقال الاتحاد الأوروبي إلى قوة سياسية مستقلة عن حسابات الكتلة الأنغلوساكسونية التي حرمتها من فرص الانفتاح على الفضاء العربي الجار الذي يشاركها مناصفة في البحر الأبيض المتوسط، أو الانتفتاح على روسيا التي كانت ستمنح أوروبا عمقا استراتجيا وازنا، وتابعنا جهود الولايات المتحدة الرامية إلى تهميش الدور الأوروبي في السِّباق الجاري على الكعكة الإفريقية.
في بحر عامين فقدت أوروبا فرص تطبيع علاقاتها مع روسيا بانخراطها الأعمى في أزمة أوكرانيا، وبعدها الأطلسي بعد تنفيذ البريكسيت، وبعدها الإسلامي بالقطيعة مع تركيا، وبعدها العربي بتورُّطها الأحمق في الأزمة السورية، وأفسدت علاقاتها مع دول شمال إفريقيا في الملف الليبي، ولا يبدو أن النُّخب الأوروبية التي تعرض نفسها اليوم في الاستحقاقات الانتخابية مؤهَّلة لتصحيح المسار، وهي التي جعلت من عداء الجاليات من العرب والمسلمين محورا لبرامج الحكم، وجردت الاتحاد الأوروبي من فرص بناء تحالف موضوعي مع جيرانها العرب: فرصتها الوحيدة في انتزاع مقعد محمود ووازن حول طاولة إعادة تشكيل وبناء العالم الجديد.
وفي مكان ما، تتحمل الدول العربية الجارة لأوروبا ـ ومنها دول شمال إفريقياـ قدرا من المسؤولية في تنامي هذا الجفاء، لأنها فشلت في صياغة مبادرة شراكة صريحة وواضحة، تقترب بها من النخب الأوروبية، وتُطمْئِن الأوروبيين بجدّية بشأن انشغالاتهم حول ملفات الهوية والهجرة بتفكيك الأساطير والأكاذيب التي تروِّجها الدوائر الصهيونية، وتدعو إلى بناء شراكة استراتجية بين مجموعتين أوروبية وعربية من قرابة مليار نسمة، قادرة بحكم مقدراتها الكبيرة على انتزاع موقع محمود في إدارة العالم الجديد القادم، شريطة أن يتحرَّر الأوروبيون من عقدة اشتراط إشراك الكيان الصهيوني الذي سبق أن عطَّل وأحبط مشروع بناء الاتحاد المتوسطي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!