خسروا في بيروت.. تحرّكوا في حلب!
ما الذي يعنيه الهجوم الواسع للجماعات المسلحة في شمال سوريا على حلب، مباشرة بعد إعلان وقف إطلاق النار في لبنان؟ أين كان هؤلاء “المجاهدون” المُزيَّفون الذين لا تتردّد قنوات التطبيع والعار في التركيز على صيحات “الله أكبر” لديهم، وكأنَّهم بالفعل قواتٌ تدافع عن إعلاء كلمة الله؟ لِمَ لم نسمع طلقة رصاص واحدة، بل ولا صيحة واحدة بـ”الله أكبر” من هؤلاء لنصرة إخوانهم في غزة أو في لبنان، أو حتى في سوريا، البلد الذي يزعمون أنهم بصدد “تحريره”؟ أم إنَّ قوات العدو الصهيوني التي تضرب وطنهم كل يوم بعيدة عنهم؟ لماذا في هذا التوقيت بالذات تسلّط قنوات التطبيع عليهم الأضواء، وكأنهم بالفعل أبطالٌ مُحرِّرِون لأرضهم من الظلم والطغيان؟ وكأن الطغيان الصهيوني كان بردا وسلاما على المنطقة، ولا حَرَّك فيهم ساكنا ولا استنهض هِمَّة ولا دَفَعَ إلى نصرة المظلوم!
لقد انكشفت اللعبة الدولية في المنطقة أكثر، وباتت حدود المخطط الصهيوني الأمريكي أكثر وضوحا.. ولم يعد هناك أدنى شك في حقيقة هذه الجماعات المسلحة، التي لا تظهر إلا حيث تكون المقاومة، وحين تكون في مرحلة الانتقال إلى مستوى آخر من الكفاح أو إلى بدائل أخرى.. في مثل هذه الأوضاع، يجري تحريك الأدوات الصهيونية الأمريكية، لتهيئة الأوضاع لِمَا يعتبرونه مخططاتهم القادمة.. وهو ما يحدث اليوم في شمال سوريا، وهو على علاقة مباشرة بما يحدث في غزة وفي لبنان.
لم يتوقف العدو الصهيوني الأمريكي عن استخدام أدوات التقسيم وتشجيع الحركات الانفصالية لتنفيذ مخططاته، ويُتوقَّع أن يسعى إلى توسيع ذلك في أكثر من بلد عربي أو مسلم ساند ويساند المقاومة في حربها ضد الظلم الصهيوني، وهي البدائل التي سيلجأ إليها مرة أخرى لتنفيذ مخططاته في المنطقة ينتقل بها من مكان إلى آخر، ومن بلد إلى آخر..
ولذلك، يتأكد لنا، بما لا يدع مجالا للشك، أن النَّصر الذي حَقَّقه حزب الله اليوم بفرض وقف إطلاق النار على العدوّ كان بمثابة العملية الاستباقية لمواجهة هذا المخطط، من خلال التركيز على وحدة الشعب اللبناني ووحدة أحزابه وحكومته وجيشه!
إنّ أهمّ نتيجة تَحقَّقت في لبنان، قبل الحديث عن النصر، هي هذه: وحدة الشعب والجيش وتأكيد حزب الله أنه جزءٌ من النسيج الوطني لبلده، بما يعني أن الكيان لن ينفرد من الآن فصاعدا بلبنان دون حزب الله ولا بحزب الله دون لبنان، ومنه كانت فرحة اللبنانيين وهم عائدون إلى ديارهم في الجنوب وفي الضاحية.. لقد ربحوا مقاومة وربحوا وطنا… وعليه، ينبغي أن يفعلها اليوم قبل الغد الفلسطينيون بِطرح مثل هذا المفهوم للانتصار في الحرب على العدوّ، بالخروج مُوحَّدين غير منقسمين وبمنع هذا العدوّ من الانفراد بفلسطين دون حماس أو بحماس دون فلسطين أو بهذا دون الآخر.
إذا ما استبقت المقاومة الفلسطينية هذه المناورة الصهيونية القادمة تكون قد انتصرت في الحرب، وإن خرجت القوى الفلسطينية مُنقسِمة ولو بانتصار جزئي تكون قد خسرتها..
وما يحدث في شمال سوريا دليل حيّ على أن أكثر ما يخيف الأعداء هو وحدة سوريا الداخلية ووحدتها مع لبنان، ووحدة الشام بشكله العامّ بما في ذلك فلسطين، ثم وحدة الشام والعراق واليمن، لأن تلك هي وحدة الساحات الحقيقية القادرة على الاستمرار في الزمن والقادرة على مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني الغربي في المنطقة.
إنّ النّصر الحقيقي هو هذا في وحدة الساحات السياسية بعد وحدة الساحات العسكرية.. ووحدة الساحات السياسية بداخل كل دولة هي الأهم، ولذلك، سارع العدو الصهيوني إلى تحريك أدواته شمال سوريا، لتعطيل هذه الوحدة والعودة إلى استخدام سلاحه القديم في معركة جديدة تَغيَّر فيها مستوى الوعي، وباتت الحدود الفاصلة بين الصديق والعدو أكثر من واضحة… لقد فقد المشروع الصهيوني أدواته الخارجية وهو يتآكل من الداخل الآن، ويحاول استعادة قواه عبثا.. حقائق المرحلة تقول هذا، وإِنْ حاول البعض اختزال النصر في هدير طائرات f35 وفي تحطيم الديار على ساكنيها، وقتل الآلاف من المدنيين وعلى رأسهم الأطفال الأبرياء.. ذلك ليس أبدا نصرا، أما المقاومة اللبنانية، فبوحدتها فعلا انتصرت، وسورية وفلسطين ينبغي أن تسيرا على الطريق ذاته.