خصخصة الدولة عبر الاستحواذ على السلطة
هل ينبغي أن نصدق رئيس نادي أرباب الأعمال، السيد حداد، في ادعائه “غياب الرغبة عنده وعند بقية أعضاء النادي في شراء المؤسسات العمومية”؟ أم أن كلامه هو جزءٌ من خطاب التهدئة الذي انطلق بعد تعليمة الرئيس الآمرة بإخضاع أي خصخصة لرقابة مجلس الوزراء؟ أم كان ذلك منه كما ينقل المثل الشعبي عن الذئب وهو يصف العنب بالحموضة بعد أن حُرم منه؟
أغلب الظن أن السيد حداد ليس صادقا، لأن مطلب خصخصة القطاع العام ظل مطروحا على الطاولة منذ تسعينيات القرن الماضي، وقد جرَّب الجزائريون في زمن الحكومة الأولى للسيد أويحيى، ثم حكومة السيد تمار كيف تنفذ الخصخصة بالدينار الرمزي، أو نصدقه بعد تفكيك كلامه إلى ما يعنيه، لأن زمرة الأوليغارش في نادي “الأفسيو” ليسوا على استعداد للمشاركة في خصخصة حقيقية شفافة، تنفذ بعد تقييم منصفٍ للقيم السوقية للمؤسسات العمومية، وللدور الاجتماعي التي فُرض عليها في التشغيل، ودورها في جزأرة الثروة وحماية العقار الوطني من النهب، وأنه لا يوجد صاحب أعمال خاص على استعداد لشراء هذه المؤسسات بما لها وما عليها، ومنه الامتناع عن تسريح العمال بدعوى طلب النجاعة وتحسين شروط المنافسة، أو تحريم تفكيكها بعد وضع اليد على أصولها من العقار الذي لا يُقدَّر بثمن.
ما نعلمه يقينا، أنه وبعد مرور قرابة ثلاثة عقود على الانتقال من الاقتصاد الموجَّه إلى نظام اقتصاد السوق، وبناء تشريع يسوِّي بين القطاع العام والقطاع الخاص، ومع كل التحفيز الجبائي، وتسهيل القروض الذي حصل عليه القطاع الخاص، فإنه لم يحقق النقلة المرجوَّة منه، لا من جهة تطوير الإنتاج كما وكيفا، ولا من جهة التشغيل، أو رفع حصته في الصادرات، وقد استفاد من ريع الدولة أكثر من القطاع العام بعد تحرير التجارة الخارجية والداخلية، التي ساهمت في بناء إمبراطوريات أغلب أعضاء “الأفسيو”.
وفي بلدٍ مثل الجزائر، كانت الدولة فيه وستظل لعقود الزبون الأول، عبر دفتر طلباتها من المنشآت القاعدية، والسكن، والكهرباء، والمياه، والمرافق الطبية والتعليمية، فإن تكالب القطاع الخاص الوطني والأجنبي لم يكن في اتجاه الدفع نحو خصخصة القطاع العام لذاته، حتى وإن كانت بعض قطاعاته تُسيل اللعاب، بل كان الصراع والتكالب مركزا على دفتر طلبات الدولة: الزبون الأول في الاقتصاد الوطني، والممول الأول لنشاطه من المنبع حتى المصب، بما يعني أن القطاع الخاص الذي استحوذ بالكامل على التجارة الخارجية والداخلية، ومن خلالها على دفتر طلبات 40 مستهلكا في ظروف غير شفافة، يريد اليوم الاستحواذ على دفتر طلبات الحكومة، الذي يشكل أكثر من 80 في المائة من رقم أعمال المؤسسات الإنتاجية والخدمية.
جميع الأوليغارشيات التي نمت مثل الفطريات في الدول التي سبقتنا إلى الانتقال من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق، مثل: روسيا، ودول أوروبا الشرقية، والصين، إنما تغذت على صفقات الدولة التي تُمنح تحت الطاولة وخارج شروط الشفافية، وقد كان لنا مثالٌ جيد في مجمع الخليفة، ثم مع مجمع ربراب، والآن مع حداد وإخوانه، الذين يسعون إلى وضع اليد على السلطة السياسية كضامن لوضع اليد على دفتر طلبات الدولة: المصدر الأول والأخير للريع السهل، وهنا بيت القصيد ومربط الفرس في أي حراك يريد أن يتخذ من الخصخصة فرصة لإبعاد منافسٍ عن منابع ريع الدولة ليس إلا.