خطب الوداع
إذا كانت خطبة الوداع بشموليتها ورسالتها وقوانينها الخالدة لم تستهلك من مُلقيها وهو خير الأنام الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى أربع دقائق في زمن بلا انترنت ولا فضائيات ولا وسائل التواصل الاجتماعي، مازالت تقود الأمة ويحفظها عن ظهر قلب مليار ونصف مليار مسلم، فكيف لهؤلاء من قادة الأحزاب “الكبرى” في الجزائر أن يستهلكوا الساعات الطوال في قول ما لا يجب أن يقال في خطب يمكن اعتبارها بخطب الوداع الحقيقية ونخشى أن يكون وداعا عبر الخروج من الباب الضيق، حتى صار كل خطاب أو ندوة صحفية أو تدخل إعلامي من أويحيى أو بلخادم أو سلطاني هو انتحار لا يختلف عن رشّ البدن بالبنزين وإلهابه بالنار، وإذا كان المثل العربي يرتقي بالصمت إلى قيمة الذهب إذا كان الكلام من فضة فإن صمت رؤساء الأحزاب سيكون من الألماس والزمرّد والمرجان لو يعلمون طبعا.
فما قاله السيد أحمد أويحيى في ندوته الصحفية وقبله السيد عبد العزيز بلخادم هو كمن يسجل هدفا حاسما ولكن في مرماه، بينما لا يختلف حال السيد أبو جرة سلطاني عن الذي يلعب مباراة حاسمة بعد أن أعلن الحكم وهو الشعب عن نهايتها بعد أن تأكد من مستوى لاعبها، فعلى بعد أربعة أشهر عن الانتخابات التشريعية بدأت الحملة الإنتخابية العكسية التي يقوم فيها قادة الأحزاب الثلاثة بتنفير بقايا المتعاطفين، ولا نظن أصلا أن للبقايا بقية في الوقت الحالي.
والغريب أنه بالرغم من الانتقادات وحتى الاستهجان الذي تلاقيه هذه التدخلات من الثلاثي حتى لدى أقرب الناس إليهم ومناضلي أحزابهم، إلا أنهم يصرون على الخوض في كل المجالات وبإصرار يؤكد أن ما سمي الائتلاف الرئاسي كان أشبه في سنواته الماضية بالقرّابة أو الزردة التي اجتمع فيها “المدّاح والطبّال وجامع الأموال”، وعندما يقول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن الجماعات المحلية أفشلت برنامجه التنموي الذي راهن عليه وبعث الأمل في قلوب المواطنين للرقي بالبلاد فإن الجسر الفاصل بين الرئيس وبين هؤلاء المتهمين بإفشال البرنامج الكبير هو بالتأكيد ثلاثي الائتلاف الرئاسي الذين كان منهم معظم البرلمانيين ورؤساء المجالس الولائية والشعبية وعشرات الآلاف من الأعضاء المنتخبين، والدليل على ذلك عجزهم عن قول جملة مفيدة في بلد يبحث عن محل له من إعراب التغيرات الاقتصادية والسياسية الكبيرة، فمن غير المعقول أن يتوجه السيد بلخادم إلى جيجل التي تصحو على احتجاج وتنام على احتجاج فيتحدث عن مقدرة إطارات حزبه في قيادة خمس عشرة دولة وهم لم يتمكنوا من قيادة عشر بلديات تابعة لحزبه في ولاية جيجل، ومن غير المعقول أن ينشط أبو جرة سلطاني أول أمس ندوة صحفية فيعترف بأن أسباب انسحابه من التحالف هو عدم منح حزبه الوزارة الأولى وهو اعتراف بأنه كان يريد الجلوس على مقعد أويحيى، وليس لأن أداء الائتلاف كان بعيدا عن طموحات الشعب، ومن غير المعقول أن يتجاهل السيد أحمد أويحيى ما يحضّره البرلمان الفرنسي للجزائريين وما يراهن عليه ساركوزي من تقربه من اليمين المتطرف لكسب جولة الانتخابات الرئاسية القادمة فيختار عدوا آخر حتى كاد يطالب تركيا بالاعتراف بجرائم فرنسا وتعويض الجزائريين على ما اقترفته آلة الحرب الاستعمارية في حق الجزائريين.
الحملة الانتخابية في كل العالم هي كلام وفعل يتقرب به المترشحون من الناخبين إلا عندنا فهي أشبه بقطع ما بقي من حبال التواصل حتى لا نقول الأمل.