خلافة “داعش” للسلف “غلاديو”
من بوسطن إلى بروكسل، مرورا بلندن وبباريس، تتواصل العمليات الإرهابية المنسوبة لـ “داعش” بقوافل متزايدة من الضحايا، وبترويع منهجي للمواطن الغربي حتى يتحمل عن طيب خاطر ترسانة القوانين والإجراءات الأمنية المقيدة للحريات، ولا بأس بالمناسبة أن توضع جالية مسلمة تقارب الخمسين مليون تحت الضغط، مضغة سائغة لمفردات الإسلاموفوبيا الفاشية.
في هذا المكان، سبق أن توقفت مع القارئ أكثر من مرة عند مفهوم “الإرهاب تحت راية كاذبة” لم يكن من ابتكاري، بل هو مفهوم متداول بقوة في أوساط أكاديمية وإعلامية غربية، رصدت كثيرا من نماذجه الموثقة، سواء في سلوك الإمبراطوريات الاستعمارية قديما، أو في النشاط السري الأسود لكبريات المنظومات الإستخباراتية.
قبل أربعين سنة خلت، فجر أحد قضاة التحقيق الإيطاليين اسمه فيليشي كاسون، قنبلة ما اصطلح على تسميته بـ “شبكة غلاديو” التي كانت تعمل تحت إمرة كبار قادة حلف “النيتو” منذ مطلع الخمسينيات، بتجنيد مجموعات من القتلة من اليمين المتطرف الأوروبي، ومخلفات العهد النازي ـ الفاشي، تم توظيفهم وتدريبهم وتوجيههم لتنفيذ “عمليات إرهابية تحت رايات كاذبة” كانت تنسب في الإعلام للمجاميع الشيوعية وأقصى اليسار مثل: “الألوية الحمراء” الذائعة السيط وقتها مثلما هي “داعش” اليوم.
الفضيحة بدأت تفوح رائحتها سنة 1984 حين فتح القاضي كاسون ملف أحد التفجيرات المنسوبة لـ “الألوية الحمراء” ليتوقف عند سلسلة من الأخطاء والمغالطات قادته في النهاية إلى اعتقال المنفذين الأصليين من شبكة كانت تدعى “النظام الجديد” وتتبع شبكة الأوامر فيها حتى بلغ رأس منظمة حلف “النيتو” كما اكتشف فروعا أخرى من تنظيمات كانت تقيد تحت عنوان ” المنتظرون في الخلف” امتد نشاطها من 1950 وحتى 1990.
وفي 2004 صدر كتاب لدانييل غانزر تحت عنوان “الجيوش السرية للنيتو” كشف بالتفصيل الإرهاب الموجه ضد شعوب أوروبا الغربية على يد جيوش سرية تموّلها “النيتو” لا تخضع سوى لقياداته الأمنية العليا.
المجال لا يتسع للتفصيل، فنكتفي بما جاء على لسان المتهم فينشينزو فينشيغيرا أمام المحكمة: “إنه وفضلا عن تشويه مجموعات سياسية من أقصى اليسار، فقد كان ثمة هدفا غامضا لهذه العمليات الإرهابية تحت راية كاذبة، بتصنيع جو من الخوف بين العامة، كان يصطلح عليه بـ ((استراتجية التوتر)) تهدف عبر ترويع المواطنين لحملهم على طلب الحماية من الدولة”.
الآن بوسعك أن توسع أفقك، لتبحث عن الجهة الوحيدة القادرة على اختراق أمن دولة عظمى مثل فرنسا، كانت تشغل على مدار الساعة نظام “فيجي بيرات” أو أمن العاصمة الأوروبية، وهي تحت نظام الحصار في أعقاب عمليات باريس، ثم تسأل في الحد الأدنى كيف أمكن لأجهزة أمن هذه الدول أن تعلن عن أسماء المتهمين ـ الموتى والأحياء منهم ـ في الدقائق الأولى لجريان العمليات، وحتى قبل أن ينقشع غبار التفجيرات، ثم نكتشف أن معظم المنفذين كانوا مسجلين على قوائم الملاحقين أمنيا؟ ولك أن تعيد بحرفية خبير الفوتوشوب قراءة كل ما نشر من فيديوهات حول جرائم نسبت لـ “داعش” لتكتشف أن المنتج والمنفذ والناشر الحصري لها هو مؤسسة نفعية أمريكية تدعى “مجموعة الاستخبارات سيت” بمقاطعة ماريلاند تقودها يهودية اسمها ريتا كاتز.