خلايا ميّتة!
نكاد نكون البلد الأكثر إنتاجا لما يسمى خلايا الإصغاء للمواطنين والمرضى والمحتاجين وأصحاب المشاكل والمهمومين، وغيرهم من المعذبين في الأرض، لكننا في الوقت ذاته، نعدّ من بين البلدان الرائدة في ممارسة حوار الطرشان بين الحاكم والمحكوم، فلا تكاد تعثر بسهولة على من يحسن حرفة الكلام، أو يتقن فن السماع في البلاد…، مجرد فوضى في فوضى داخل مجتمع تباغض أفراده إلى درجة عدم احتمال العيش معا تحت سقف واحد؟!
آخر لجان الإصغاء في البلاد، تلك التي تريد إنشاءها المديرية العامة للأمن الوطني، لتتجول بها عبر مختلف ربوع الولايات من أجل الاستماع إلى مشاكل المواطنين والشباب منهم تحديدا، رغم أن القاصي والداني، العاقل والمجنون، الفطن والبليد، يدرك من مكانه ودون الحاجة إلى تسيير قوافل أو لجان إصغاء أو فتح خطوط خضراء، ما هي مشاكل المواطنين والشباب تحديدا. فهؤلاء يعانون من الحڤرة المستديمة، وغياب مناصب الشغل في بلد تتغنى الحكومة فيه بخلق ثلاثة ملايين منصب، ومن صعوبة الحصول على بيت صغير في بلد المليون سكن، ومن غلاء تسعيرة النقل في ظلّ حكومة عرّاها مشروع الميترو، ويعانون أيضا من المحسوبية واستغلال النفوذ وتفشي الرشوة، وانتشار ثقافة البنعميس، ومن فساد الإدارة، وانحطاط مستوى التعليم، وغياب رؤية ايجابية للمستقبل، مع تزايد أعداد المنتحرين نتيجة الإحباط، وتضاعف الهاربين في البحر، والفاقدين للأمل، يعانون من الهزيمة النفسية والمعنوية، ومن انتصار نماذج المرتشين والأميين وأبناء المسؤولين الطالحين، مقابل، انتحار نموذج الشرفاء، المتخرجين من الجامعات، المتعلمين، والصابرين، والمجتهدين؟!
هؤلاء الشباب يعانون من صعوبة الحصول على الخبز النظيف، والعمل النظيف، والمسكن النظيف، والخلق النظيف، في مجتمع، تغلبت عليه القيم المتّسخة؟!
كنّا نتمنى أن يشمل تقييم مسار المصالحة الوطنية مؤخرا، زيادة على ذكر عدد الإرهابيين الذين سلموا أنفسهم، أيضا، عدد أولئك الشباب الفاقدين للأمل، المستسلمين لمشاريع التفخيخ داخل البلاد وخارجها، المرتمين بين أحضان التهلكة، هؤلاء الميتين الأحياء، “الحيطيست”، “الحراڤة”، المتخرجين من الجامعات، المرتمين في شراك البطالة،.. فهؤلاء، يمثلون تهديدا حقيقيا لأي نوع من المصالحة والسلم المنشود داخل البلاد.