خيانة النخبة…. أم عودة وعي؟
في سنة 1972 كتب الأستاذ الأديب توفيق الحكيم [1898 – 1987] كتيبا فيما يشبه المذكرات الشخصية وعزم على عدم نشره، ولكن أحد أصدقائه طلب منه تصوير نسخة منه للاستعمال الشخصي، وبعد مدة قصيرة فوجئ الحكيم بطبع الكتاب من جهات كثيرة وتكلم الإعلام عنه في الشرق وفي الغرب واتُّصل بالأستاذ ليدلي بتصريحات حوله، ولكنه رفض لأنه لم يَأْذن بطبعه، ثم خضع إلى الواقع وباقتراح من أصدقائه نشر الكتاب بعنوان “عودة الوعي” مخالفا نيته في الأصل التي اعتبرت ما كتبه مجرد تسجيل خواطر حول الثورة المصرية إحياء لذكراها العشرين [1952 – 1972]، وذلك بعد وفاة الرئيس عبد الناصر [1918 – 1970] بسنتين.
وبقطع النظر عن الموقف من رأي الرجل في هذه المرحلة، إلا أنه كشف عن طبيعة النخبة في الأنظمة الاستبدادية، التي لا تختلف كثيرا عن الجماهير الشعبية العريضة، حيث تفقد هذه النخبة ميولاتها التي تتميز بها عن سائر أفراد الشعب، باعتبارها صاحبة رأي وموقف ومؤهلة للخوض فيما يفيد المجتمع ويخدمه، فيستنير برأيها؛ بل تعتبر من أركان المجتمع ومؤسساته الناظمة له.
لقد تكلم الحكيم عن علاقته بالرئيس عبد الناصر الذي أهدى إليه كتابه “فلسفة الثورة” ودعاه إلى كتابة “عودة الروح بعد الثورة”؛ لأن توفيق الحكيم نشر كتابا قبل الثورة بعنوان “عودة الروح”، وقيل له إنه قرأ الكتاب وأعجب به…، ويحكي أن عبد الناصر كان حريصا على أن يلتحق بركب أتباعه، ولكن الحكيم رفض ذلك بحجة أن الكاتب لا يليق به الاصطفاف إلى جانب الحاكم؛ بل يقول إن أحد أصدقائه الصحفيين وأغلب الظن أنه محمد حسنين هيكل، أخبره بأن الرئيس يريد لقاءه في بيته، ومع ذلك لم يلب الدعوة، وأبقى على مسافة منه كما روى في “عودة الوعي”، ولكن الملفت أن توفيق الحكيم كان منبهرا بالثورة وبالرئيس عبد الناصر انبهار الجماهير، بحيث لم يكن مستعدا لسماع أي شيء يناقض الثورة، بحيث راح يبرر هزيمة 1967 لأيام، بحيث برر تراجع الجيش المصري في سيناء، بكون الجيش كان يتراجع من أجل توريط الصهاينة باستدراجهم ليلفهم في سيناء!! ولم ينتبه الحكيم إلا عندما سمع أن قرارا في الأمم المتحدة يقول إن السلطات المصرية قبلت بوقف القتال… وراح الحكيم يروي قصة انبهاره بالثورة حينا وبالرئيس عبد الناصر حينا آخر مستغربا من الحالة النفسية التي كان يعيش بها، لماذا كان منبهرا؟ لا يدري… كل ما هنالك أنه رأى في بعض منجزات الثورة أنها مما كان يطالب به في العهد الملكي… ولكن منطق العقل الذي اعتمده الحكيم في كل ما كتب، يرفض الاستبداد والفساد والخنوع والخضوع الجبن الشعبي الذي يشجع على استبداد الحاكم بمحكوميه؛ بل إنه عندما عرض منجزات الثورة على عقل توفيق الحكيم الحر، رآها كلها هزائم… ابتداء من الثورة نفسها التي قبلت بما رفضته الأحزاب كلها من مواقف تجاه الاستعمار الأنجليزي، والموقف من الوحدة مع السودان، والعدوان الثلاثي ونهاياته، وحرب اليمن وغير ذلك مما عُدّ من منجزات الثورة، وتساءل بحرقة عميقة، كيف وقع في هذا المطب خلال عشرين سنة من الانحرافات السياسية والاجتماعية الثقافية، ولم يجد مبررا لذلك إلا العواطف الجياشة التي يفقد فيها الكاتب والمفكر والعالم عقله عندما يضعه في الثلاجة، استجابة لوهم توهمه أو طمعا في تحقيق ما لم يتحقق من قبل، خاصة وأن النظام السياسي الذي تبنته الثورة، نظام قومي اشتراكي، مناقض لما كان عليه الحكم الملكي اللبيرالي المنحل!! مما يمكن أن يلبس على النخبة فيحولها عن مكانتها الرقابية والنقدية إلى مجرد عواطف مشرئبة الأعناق تجاه ما تعد به السلطة طمعا في تنفيد ما تعد به وتتطلع إليه الجماهير.
إن “عودة الوعي” كما قرأتها لتوفيق الحكيم تنبئ بما يمكن أن يصيب النخبة من تضليل واستبعاد لدورها المفترض في المجتمع، فتنحرف عن مسارها المطلوب كمؤسسة نقدية، وذلك يمكن تفهمه واعتباره غياب عن الوعي مبرر بطموحات عجزت السلطة عن تحقيقها أو تعلق بأوهام رسمتها السلطة وانساقت في ركابها النخب دون شعور منها بالمخاطر، ولكن ما لا يمكن تفهمه وتبريره هو النخب التي سارت في ركاب السلطة داعمة لها في ضلالها؛ بل مزكية لكل خطوة خطتها في مساراتها الثقافية والاجتماعية السياسية… لا سيما فيما تقوم به السطلة من تصفية حسابات مع الخصوم.
إن الأنظمة الاستبدادية في العالم ومنه عالمنا العربي الإسلامي، لم يكن لها أن توجد لو لم تجد الأرض الخصبة في الجماهير الراكدة المستسلمة والنخب الخائنة والعميلة القابلة للارتشاء؛ لأن الاستبداد مرفوض بكل المقاييس ولا يرضى به أحد؛ بل إن الجماهير التي تجبر على الخضوع، ليست بالضرورة على مذهب النخب الخائنة، وإنما قد تعبر عن رأيها بطريقة أخرى غير مرئية، مثل التمرد على القانون وتعويضه بالطرق الملتوية -المشروعة غير المشروعة-، وذلك سبيل من سبل المجتمعات المقهورة للحفاظ على نيل الحقوق والتمرد على استبداد المستبدين…
لا شك أن النخب ليست سواء، فمثلما وجد المنبهر الذي قد يستيقظ في لحظة مثلما وقع لتوفيق الحكيم، فيتفهم موقفه ورأيه فيما جرى له، يوجد أيضا من لم يستطع المساهمة خوفا وترددا وترقبا للحظة التي تسمح بالفعل، وربما يوجد أيضا ممن سار في ركاب السلطة من أجل تقليص مساحات الشر التي يحدثها الانتهازيون وذوي الغايات القاصرة، ولكن المستهجن والمرفوض هو السير في ركاب السلطة بحيث يكون توجهها هو البحث عما يرضيها فتشير به وتعمل على تحقيقه، وذلك كثير فيما بين نخبنا السياسية والثقافية.
ثم ليس عيبا في أن يضلل ويغفل الكاتب والمفكر والمثقف في لحظة ما، فيستدرج إلى القيام بمهام قذرة، ولكن العيب كل العيب أن يستمر في مثل هذه المهام؛ لأن مهمة الكاتب والمفكر والمثقف، ليست هناك، وإنما هي في موقع الإطار غير القابل للتضليل، بحيث إذا وقع في السهو والخطأ وطاله التضليل -رهبا ورغبا-، فإنه سرعان ما ينتبه ويعدل من سلوكه؛ لأن طبيعته التي ينبغي أن يكون عليها هي أنه صاحب رأي وموقف ويهتدى بهديه…
ربما كان من أسباب تراجع النخبة عن القيام بدورها، هو الخوف من استبداد المستبدين، وذلك حاصل بلا شك، ولكن السلطة لو لم تجد من يستجيب لندائها فإنها لن تستمر في ضلالها؛ بل لا تستمر في الضلال إلا بالقدر الذي توفره النخب الخائنة والجماهير الخائرة.
في حراك الجزائر المبارك في سنة 2019، قال لي أحدهم، لقد تجاوزتنا الجماهير يا فلان، فكان ردي وهل كنا موجودين في الساحة حتى تتجاوزنا الجماهير… إن الجماهير لم تخلق لتقود نفسها، ولكنها إذا لم تجد من يقودها فإنها تنتفض وتسير كيفما اتفق… ولذلك كان من بين أخطاء الانتفاضات الشعبية افتقارها للقيادات الاجتماعية السياسية، ففي تجربة بلادنا الجزائر في سنتي 1988 و2019، أن الساحة الاجتماعية السياسية لم تكن ترغب في بروز قيادات، حتى لا يقضى على الحراك بسبب الاتجاه الذي يقوده، وهذه الفكرة لم تكن واضحة بالقدر الذي أقول في سنة 1988 ولكنها في سنة 2019 كانت واضحة تمام الوضوح، بحيث كان الشعب يرفض الجميع، وبعض التيارات لم ترد أن تظهر بحجمها القيادي بسبب الخوف على الحراك من الفشل، وكذلك حرص السلطة على استبعاد القوى الفاعلة حتى لا تستأثر بالحصيلة التي تدينها… في حين كان من المطلوب ان نحرص كل الحرص على قيام القيادات بواجبها وتحميلها المسؤولية بالقدر الذي وضع فيها من ثقة شعبية…، سواء كانت هذه القيادات في السلطة أو خارجها، المهم أن تكون على قدر من الصلاح والصدق والشرعية.