خيبة سلطة
هل يمكن القول فعلا بأن هذه التشكيلة الحكومية الجديدة التي تشبه تشكيلة الفريق الوطني أيام النكسات التي كانت تحصد فيها الهزائم في أدغال افريقيا هي خاتمة الإصلاحات الموعودة؟ وهل يمكن الجزم بأن هذه هي محصلة التغيرات الجذرية العميقة التي وعد بها الرئيس بوتفليقة الشعب مقابل عدم تورط الجزائريين في دم ودموع الربيع العربي؟ وهل رجالات سلال هم أبناء المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد، حيث الجزائر محاطة بحزام أمني متفجر، فهي تواجه الفوضى المسلحة المنتشرة في ليبيا ومالي والنيجر، والفوضى الأمنية في تونس، وحالة التوتر مع المغرب بالإضافة إلى المجموعات المسلحة التي لم تعد محلية، بل ترتبط بامتدادات لها في المحيط.
قد يكون من الجور تحميل عبد المالك سلال وفريقه أعباء خيبات الاصلاح والتغيير الموعود، لأن مشكلة الجزائر كانت دائما في سحنون وليس في تعراق النون، كما يقال، ولو جئنا بعلي بن حاج على رأس فريق حكومي لما كانت نتائجه أحسن من نتائج سلال، فبيت الداء في منظومة الحكم الفاسدة في الجزائر، وفساد هذه المنظومة هو نقطة قوتها التي جعلتها تعمّر إلى يوم الناس هذا…
في الجزائر فقط يمكن أن تفوز بالأغلبية البرلمانية ويتسلط عليك من باء بالخيبة والفشل السياسي ولم يستطع إقناع أبناء دشرته ببرنامجه السياسي، ويحدث في الجزائر فقط من يتورط في قضايا الفساد فيستوزر من جديد، ويحدث في الجزائر فقط من يعترف بالغباء والسبهللة السياسية، ويصنع الخيبات وراء الخيبات، ويضر بالمصلحة العليا للبلد، ثم يمدد له في مهمته…
العارفون بخبايا الساسة والسياسة في الجزائر يقرون بأن رجال السلطة عندنا يتعاملون مع السياسة بطريقة فيزيائية عن طريق تقاطع خطوط الطول والعرض والمثلثات وسداسي الشكل، لذلك تأتي نتائح طبخاتهم السياسية دائما “شايطة”.
لماذا تصرف الدولة الملايير من أجل اجراء انتخابات برلمانية، يتبارى فيها المترشحون بالبرامج، ثم تشكل حكومة من خارج البرلمان، وكيف تقبل أحزاب الأغلبية البرلمانية أن “تتسلط” عليها أحزاب مجهرية؟ وعلى أي أساس يتم اختيار الوزراء في هذه البلاد؟
الواقع أن الجزائر هي رهينة الرداءة الممزوجة بين المعارضة والسلطة، وتحولت فعلا إلى مصنع للانتهازية، ونموذج لإهدار كل قيم الدولة، وحولت عملية تشكيل الحكومة عن هدفها النبيل إلى مجرد تغيير عجلة بديلة بأخرى بعيدا عن كل منطق سياسي… إذا كان للسياسة منطق في بلادنا.
إن الإحساس العام هو أن النظام الحاكم يتعامل مع الشعب بدون حنكة ولا حكمة سياسية، وسلطة بهذه المواصفات قد تكون أخطر على الأوطان من الحروب وإلغاء الاستقلال.. مع تمنياتنا بالتوفيق لحكومة سلال.