الرأي

خَارِطَةُ طَرِيقٍ لِبِنَاءِ “التِّلْمِيذُ التَّقْنِي” الجَزَائِرِي

إِنَّ النَّاظِرَ إِلَى تَحَوُّلَاتِ القُوَّةِ فِي القَرْنِ الحَادِي وَالعِشْرِينَ، يُدْرِكُ أَنَّ المَعْرَكَةَ لَمْ تَعُدْ تُحْسَمُ بِحَجْمِ التَّرْسَانَاتِ المَخْزُونَةِ، بَلْ بِسُرْعَةِ الدَّوْرَاتِ الفِكْرِيَّةِ وَالتَّقْنِيَّةِ، فَالقُوَّةُ العَسْكَرِيَّةُ المُعَاصِرَةُ تَحَوَّلَتْ مِنْ «جَرْدٍ لِلْمُعَدَّاتِ» إِلَى «إِيقَاعٍ لِلتَّكَيُّفِ»، وَهَذَا الإِيقَاعُ لَا يُصْنَعُ فِي مَصَانِعِ الصُّلْبِ وَحْدَهَا، بَلْ يُولَدُ فِي قَاعَاتِ الدِّرَاسَةِ، وَيُوضَعُ مَعَ مَبَادِئِ الحِسَابِ وَالمَنْطِقِ.

إِنَّ هُنَاكَ خَطَأً جَوْهَرِيًّا، تَرْتَكِبُهُ المَنْظُومَاتُ التَّرْبَوِيَّةُ عِنْدَمَا تَظُنُّ أَنَّ «التَّحْدِيثَ» هُوَ مُجَرَّدُ مَظَاهِرَ بَصَرِيَّةٍ كَاللُّوَيْحَاتِ الرَّقْمِيَّةِ؛ فَالقُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لِلدَّوْلَةِ الجَزَائِرِيَّةِ اليَوْمَ، تَكْمُنُ فِي صِنَاعَةِ «النِّظَامِ الذِّهْنِيِّ» لِلتِّلْمِيذِ وَمِنَ  المَدْرَسَةِ الِابْتِدَائِيَّةِ وَلِمَ لَا مِنْ دُورِ الحَضَانَةِ. ومَا فَائِدَةُ جَيْشٍ يَمْلِكُ أَحْدَثَ الطَّائِرَاتِ، إِذَا كَانَ عَقْلُ الجُنْدِيِّ وَالمُهَنْدِسِ قَدْ تَرَبَّى عَلَى الْجُمُودِ البِيرُوقْرَاطِيِّ وَحِفْظِ القَوَالِبِ بَدَلًا مِنَ السُّرْعَةِ وَالدِّقَّةِ فِي التَّنْفِيذِ؟

إِنَّ أَبْنَاءَنَا اليَوْمَ يَئِنُّونَ تَحْتَ ثِقْلِ مَحَافِظَ لَا تَمْتَلِئُ بِالْعِلْمِ بِقَدْرِ مَا تَمْتَلِئُ بِـ«الأَحْمَالِ الزَّائِدَةِ»، وَفِي هَذَا المَقَالِ، نَطْرَحُ رُؤْيَةً جَدِيدَةً تَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ رَكَائِزَ سِيَادِيَّةٍ:

إِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ الجَدِيدَةَ، لَيْسَتْ تَرْبَوِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ «عَقِيدَةُ بِنَاءٍ وَطَنِيٍّ»، فَالطِّفْلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يُقَسِّمُ كِتَابَهُ الضَّخْمَ إِلَى وُرَيْقَاتٍ تُنَاسِبُ مَهَمَّتَهُ اليَوْمِيَّةَ، هُوَ ذَاتُهُ القَائِدُ الَّذِي سَيَعْرِفُ كَيْفَ يُدِيرُ مَوَارِدَ بَلَدِهِ بِحِكْمَةٍ، وَالمُهَنْدِسُ الَّذِي يُصَمِّمُ أَنْظِمَةً دِفَاعِيَّةً مَرِنَةً تَقْهَرُ جُمُودَ الأَعْدَاءِ.

إِنَّ التَّوَجُّهَ نَحْوَ إِدْخَالِ اللُّوَيْحَاتِ الرَّقْمِيَّةِ إِلَى المَدَارِسِ الِابْتِدَائِيَّةِ بِحُجَّةِ تَخْفِيفِ المِحْفَظَةِ هِيَ إسْتْرَاتِيجِيَّةٌ قَاصِرَةٌ، تُعَالِجُ عَرَضًا طِبِّيًّا بِتَدْمِيرِ جَوْهَرٍ تَرْبَوِيٍّ. إِنَّ المَسْؤُولِينَ الَّذِينَ انْخَدَعُوا بِبَرِيقِ الشَّاشَاتِ، غَابَ عَنْهُمْ أَنَّ التِّكْنُولُوجِيَا لَيْسَتْ أَدَاةً لِلْمُشَاهَدَةِ، بَلْ هِيَ بِيئَةٌ لِلتَّفْكِيرِ.

إِنَّ اللُّوَيْحَةَ الرَّقْمِيَّةَ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ تُحَوِّلُ الطِّفْلَ مِنْ فَاعِلٍ إِلَى مُسْتَهْلِكٍ سَلْبِيٍّ؛ فَالتِّلْمِيذُ الَّذِي يَقْضِي سَاعَاتِهِ فِي اللَّمْسِ وَالسَّحْبِ، يَتَعَوَّدُ عَقْلُهُ عَلَى انْتِظَارِ النَّتَائِجِ الفَوْرِيَّةِ وَالمُتْعَةِ السَّهْلَةِ. هَذَا النَّمَطُ يُدَمِّرُ مَا نُسَمِّيهِ «مَلَكَةِ التَّرْكِيزِ العَمِيقِ»، وَهِيَ المَلَكَةُ الَّتِي من دُونِهَا لَا يُمْكِنُ بِنَاءُ عَقْلِيَّةِ المُهَنْدِسِ أَوِ المُبَرْمِجِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلى سَاعَاتٍ مِنَ التَّأَمُّلِ وَالبَحْثِ عَنِ الأَخْطَاءِ.

والدِّرَاسَاتُ الحَدِيثَةُ فِي عُلُومِ الأَعْصَابِ، تُؤَكِّدُ أَنَّ الكِتَابَةَ بِاليَدِ، أي بِالقَلَمِ فَوْقَ الوَرَقِ، تُحَفِّزُ مَنَاطِقَ مِنَ الدِّمَاغِ لَا تَتَحَرَّكُ أَبَدًا عِنْدَ اسْتِخْدَامِ لَوْحَةِ المَفَاتِيحِ أَوِ الشَّاشَةِ. إِنَّ حِرْمَانَ الطِّفْلِ مِنْ مَلْمَسِ الوَرَقِ وَجُهْدِ الخَطِّ هُوَ حِرْمَانٌ لَهُ مِنْ أَهَمِّ رَوَابِطِ الذَّاكِرَةِ وَالتَّعَلُّمِ. نَحْنُ نُرِيدُ «تِلْمِّيذٌ تَقْنِيًّا» يَعْرِفُ كَيْفَ يُفَكِّكُ وَيُرَكِّبُ الأَجْزَاءَ المَادِّيَّةَ، لَا طِفْلًا يَعِيشُ فِي عَالَمٍ افْتِرَاضِيٍّ مَعْزُولٍ عَنِ الوَاقِعِ المِيكَانِيكِيِّ.

بَيْنَمَا تُرَوِّجُ شَرِكَاتُ التِّكْنُولُوجِيَا لِهَذِهِ الأَجْهِزَةِ، نَجِدُ أَنَّ كِبَارَ عَبَاقِرَةِ «السِّيلِيكُون فَالِي» يَمْنَعُونَ أَبْنَاءَهُمْ مِنِ اسْتِخْدَامِ هَذِهِ الأَجْهِزَةِ فِي المَرْحَلَةِ الِابْتِدَائِيَّةِ، وَيُرْسِلُونَهُمْ إِلَى مَدَارِسَ تَعْتَمِدُ عَلَى النِّجَارَةِ وَالخِيَاطَةِ وَالقِرَاءَةِ مِنَ الكُتُبِ، فَلِمَاذَا نَسْتَوْرِدُ نَحْنُ «الفَضَلَاتِ الرَّقْمِيَّةَ» الَّتِي يَرْفُضُهَا صُنَّاعُهَا لِأَبْنَائِهِمْ؟ إِنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى اللُّوَيْحَاتِ المُسْتَوْرَدَةِ أَوِ المُرَكَّبَةِ فِي الجَزَائِرِ هُوَ رَهْنٌ لِلْمَنْظُومَةِ التَّرْبَوِيَّةِ بِعُمْلَةٍ صَعْبَةٍ وَتِكْنُولُوجِيَا لَا نَمْلِكُ فِيهَا حَقَّ التَّعْدِيلِ أَوِ التَّصْلِيحِ.

إِنَّ اسْتِبْدَالَ ثِقْلِ المِحْفَظَةِ، الَّذِي يُعَالَجُ لَوْجِسْتِيًّا، بِإِجْهَادِ العَيْنِ وَآلَامِ الرَّقَبَةِ وَانْحِنَاءِ الظَّهْرِ أَمَامَ الشَّاشَاتِ، هُوَ هُرُوبٌ مِنَ السَّيِّئِ إِلَى الأَسْوَأِ، فَالتِّلْمِيذُ فِي هَذَا العُمْرِ يَحْتَاجُ إِلَى الحَرَكَةِ وَالتَّفَاعُلِ وَالرُّؤْيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، لَا إِلَى الحَبْسِ خَلْفَ نُورٍ اصْطِنَاعِيٍّ يَسْلِبُهُ صَفَاءَ ذِهْنِهِ.

إِنَّ الحَلَّ لَا يَكْمُنُ فِي تَحْوِيلِ الكِتَابِ إِلَى (PDF)، بَلْ هُوَ تَحْوِيلُ العَقْلِ إِلَى آلَةٍ نَاقِدَةٍ. لِذَا، نُعْلِنُهَا صَرَاحَةً: «لَا لِلُّوَيْحَاتِ الرَّقْمِيَّةِ فِي الِابْتِدَائِيِّ»، وَنَعَمْ لِلْوَرَقِ المُنَظَّمِ وَالعَقْلِ المُشَفَّرِ.

وإِذَا كَانَتِ المَدْرَسَةُ الجَزَائِرِيَّةُ فِي السَّابِقِ قَدْ قَامَتْ عَلَى ثَلَاثِ رَكَائِزَ: القِرَاءَةِ، والكِتَابَةِ، وَالحِسَابِ، فَإِنَّ مَدْرَسَةَ الجِيلِ الرَّقْمِيِّ مِنْ أَبْنَائِنَا الَّتِي نَنْشُدُهَا، يَجِبُ أَنْ تَقُومُ عَلَى رَكِيزَةٍ رَابِعَةٍ حَتْمِيَّةٍ، وَهِيَ «التَّشْفِيرُ المَنْطِقِيُّ». وَنَحْنُ هُنَا لَا نَتَحَدَّثُ عَنِ التَّشْفِيرِ كَمَهَارَةٍ تَقْنِيَّةٍ لِاسْتِعْمَالِ الحَاسُوبِ، أَوِ الهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ وَاللُّوَيْحَاتِ، بَلْ كَنِظَامِ تَفْكِيرٍ يُعِيدُ صِيَاغَةَ شَخْصِيَّةِ الطِّفْلِ الجَزَائِرِيِّ فِي الجَزَائِرِ الجَدِيدَةِ.

إِنَّ مَادَّةَ التَّشْفِيرِ الَّتِي نَقْتَرِحُهَا، تَبْدَأُ مِنَ الحَضَانَةِ أَوِ الأَقْسَامِ التَّحْضِيرِيَّةِ، من دُونِ شَاشَاتٍ. يَتَعَلَّمُ فِيهَا الطِّفْلُ كَيْفَ يَبْنِي «خوارِزْمِيَّةً» لِحَلِّ مُشْكِلَةٍ بَسِيطَةٍ: كَيْفَ يَصِلُ إِلَى هَدَفِهِ بِأَقَلِّ الخُطُوَاتِ؟ كَيْفَ يُفَكِّكُ المُعْضِلَةَ الكَبِيرَةَ إِلَى جُزَيْئَاتٍ صَغِيرَةٍ؟ هَذَا التَّفْكِيرُ الحِسَابِيُّ هُوَ مَا يَجْعَلُ التِّلْمِيذَ يَنْظُرُ إِلَى العَالَمِ نَظْرَةَ مُصْلِحٍ ومُبْتَكِرٍ لَا نَظْرَةَ مُتَفَرِّجٍ.

إِنَّ أَكْبَرَ عَائِقٍ اليَوْمَ أَمَامَ التَّطَوُّرِ هُوَ الخَوْفُ مِنَ الفَشَلِ. وفِي التَّشْفِيرِ، لَا يُوجَدُ فَشَلٌ، بَلْ يُوجَدُ «خَطَأٌ فِي الكُودِ» يَحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحٍ. عِنْدَمَا يَتَرَبَّى الطِّفْلُ عَلَى هَذَا المَبْدَأِ، نَحْنُ نَصْنَعُ جِيلًا ذَا نَفْسِيَّةٍ صَلْبَةٍ، لَا يَنْكَسِرُ أَمَامَ العَقَبَاتِ التَّقْنِيَّةِ أَوِ العَسْكَرِيَّةِ، بَلْ يَبْحَثُ عَنِ الثُّغْرَةِ لِيُعَالِجَهَا. هَذَا هُوَ التَّطْبِيقُ الحَرْفِيُّ لِمَا تَحَدَّثْتُ عَنْهُ فِي عِدَّةِ مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ نُشِرَتْ فِي «الشُّرُوقِ اليَوْمِي».

والتَّشْفِيرُ لَهُ عَلَاقَةٌ مُبَاشِرَةٌ بِالأَمْنِ القَوْمِيِّ؛ فَالحُرُوبُ القَادِمَةُ هِيَ حُرُوبٌ بَرْمَجِيَّةٌ. الطَّائِرَةُ من دُونِ طَيَّارٍ، وَجِهَازُ التَّشْفِيرِ، وَأَنْظِمَةُ الرَّادَارِ، كُلُّهَا تَعْمَلُ بِـ«الكُودِ». إِذَا نَشَأَ الطِّفْلُ الجَزَائِرِيُّ وَهُوَ يَعْتَبِرُ التَّشْفِيرَ مَادَّةً أَسَاسِيَّةً كَاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ وَالفِيزِيَاءِ، فَإِنَّنَا نَبْنِي جَيْشًا مِنَ العُقُولِ القَادِرَةِ عَلَى اخْتِرَاقِ أَنْظِمَةِ العَدُوِّ وَحِمَايَةِ سِيَادَتِنَا الرَّقْمِيَّةِ من دُونِ حَاجَةِ إلى خُبَرَاءَ أَجَانِبَ.

والمَوَادُّ التَّقْلِيدِيَّةُ تَعْتَمِدُ عَلَى الحِفْظِ، أَمَّا الرِّيَاضِيَّاتُ وَالتَّشْفِيرُ فَتَعْتَمِدُ عَلَى «الصِّنَاعَةِ الفِّكْرِيةِ»، الطِّفْلُ يَكْتُبُ “كُودًا” لِيَرَى نَتِيجَةً. هَذَا الرَّبْطُ بَيْنَ الفِكْرَةِ وَالأَثَرِ المَيْدَانِيِّ، هُوَ مَا يَفْصِلُ بَيْنَ الدُّوَلِ التَّابِعَةِ وَالدُّوَلِ القَائِدَةِ. نَحْنُ لَا نُرِيدُ تِلْمِيذًا يَحْفَظُ تَارِيخَ الِاخْتِرَاعَاتِ، بَلْ تِلْمِيذًا يَشْرَعُ فِي اخْتِرَاعِ مُسْتَقْبَلِهِ.

إِنَّ إِدْرَاجَ التَّشْفِيرِ كَمَادَّةٍ رَابِعَةٍ هُوَ القَفْزَةُ النوعِيَّةُ الَّتِي سَتَجْعَلُ مِنَ المَدْرَسَةِ الجَزَائِرِيَّةِ مَصْنَعًا لِلأَدْمِغَةِ الرَّشِيقَةِ، وَمُخْتَبَرًا لِلسِّيَادَةِ التِّكْنُولُوجِيَّةِ، فَالتَّحَدِّي الأَكْبَرُ الَّذِي يُوَاجِهُ المَنْظُومَةَ التَّرْبَوِيَّةَ اليَوْمَ لَيْسَ تَقْنِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ تَحَدّيٌّ لَوْجِسْتِيٌّ يَمَسُّ صِحَّةَ التِّلْمِيذِ وَقُدْرَتَهُ عَلَى التَّرْكِيزِ. وَبَيْنَمَا تَبْحَثُ الوِزَارَةُ عَنْ حُلُولٍ مُكَلِّفَةٍ وَمُعَقَّدَةٍ، جَاءَ الحَلُّ مِنْ فِطْرَةِ تِلْمِيذٍ جَزَائِرِيٍّ صَغِيرٍ، أَدْرَكَ بِعَقْلِهِ الفِطْرِيِّ مَبْدَأَ «الأَمْثَلِيَّةِ» (Optimization) قَبْلَ أَنْ يَدْرُسَ هَذَا المَبْدَأَ فِي الجَامِعَةِ.

لَقَدْ كَسَرَ هَذَا الطِّفْلُ قَاعِدَةَ «التَّكْدِيسِ» عِنْدَمَا قَرَّرَ أَنْ لَا يَحْمِلَ كِتَابًا بِحَجْمِ 220 صَفْحَةً لِيَدْرُسَ مِنْهُ ثَلَاثَ صَفَحَاتٍ فَقَطْ. هَذَا التَّصَرُّفُ الذَّكِيُّ لَيْسَ تَمْزِيقًا لِلْكِتَابِ، بَلْ هُوَ تَحْرِيرٌ لِلْعِلْمِ مِنْ قُيُودِ الوَزْنِ الزَّائِدِ. إِنَّهُ مَبْدَأُ «وَحَدَاتِ التَّقْسِيمِ» (Modular System)، إذ لَا نَسْتَهْلِكُ مِنَ المَوَارِدِ إِلَّا مَا نَحْتَاجُهُ لِإِتْمَامِ المَهمَّةِ الحَالِيَّةِ.

وعِنْدَمَا نَعْتَمِدُ هَذَا النَّمُوذَجَ، نَحْنُ نَنْقُلُ التِّلْمِيذَ مِنْ دَوْرِ العَامِلِ الكَادِحِ الَّذِي يَنْحَنِي ظَهْرُهُ تَحْتَ وَزْنِ الأَثْقَالِ، إِلَى دَوْرِ التِّلْمِيذِ القَائِدِ المُنَظَّمِ؛ فَفِي الصَّبَاحُ يَبْدَأُ بِعَمَلِيَّةٍ ذِهْنِيَّةٍ رَاقِيَّةٍ: مَاذَا سَأَدْرُسُ اليَوْمَ؟ أَيُّ الوُرَيْقَاتِ أَحْتَاجُ؟ هَذَا الِاخْتِيَارُ اليَوْمِيُّ يَبْنِي فِي شَخْصِيَّةِ الطِّفْلِ قُدْرَةً عَالِيَةً عَلَى التَّخْطِيطِ وَتَقْدِيرِ المَوْقِفِ، وَهِيَ المَهَارَاتُ ذاتها الَّتِي يَحْتَاجُهَا «المُحَارِبُ التَّقْنِيُّ» فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ.

إِنَّ فِكْرَةَ «تَكْيِيسِ» الأَوْرَاقِ بَدَلًا مِنْ «تَجْلِيدِ» الكُتُبِ هِيَ ثَوْرَةٌ فِي مِيزَانِيَّةِ الدَّوْلَةِ، فَالتَّجْلِيدُ الصُّلْبُ وَالغِلَافُ الكَرْتُونِيُّ يُمَثِّلَانِ عِبْئًا مَالِيًّا وَبِيئِيًّا ضَخْمًا. بَيْنَمَا طِبَاعَةُ الأَوْرَاقِ كَـ«وَحَدَاتٍ» مُنْفَصِلَةٍ تُوضَعُ فِي أَكْيَاسٍ بِلَاسْتِيكِيَّةٍ مَرِنَةٍ:

إِنَّ تَقْسِيمَ الكِتَابِ إِلَى وُرَيْقَاتٍ يُقَلِّصُ الفَجْوَةَ بَيْنَ المَعْلُومَةِ وَالمُسْتَخْدِمِ. إِنَّنَا نُعَلِّمُ التِّلْمِيذَ أَنَّ القُوَّةَ فِي النَّوْعِ لَا فِي الوَزْنِ، وَفِي الرَّشَاقَةِ لَا فِي الضَّخَامَةِ. إِنَّ تَجْرِبَةَ «التِّلْمِيذِ المُنَظَّمِ» هِيَ الرَّدُّ العَمَلِيُّ عَلَى كِتَابِ الوِزَارَةِ الضَّخْمِ وَاللُّوَيْحَةِ. إِنَّهَا دَعْوَةٌ لِلْعَوْدَةِ إِلَى البَسَاطَةِ الذَّكِيَّةِ الَّتِي تَبْنِي الأَجْسَامَ السَّلِيمَةَ وَالعُقُولَ المُنَظَّمَةِ.

إِنَّ أَيَّ مَشْرُوعٍ تَرْبَوِيٍّ لَا يَرْتَبِطُ بِالِاسْتِقْلَالِ المَالِيِّ وَالأَمْنِ اللَّوجِسْتِيِّ هُوَ مَشْرُوعٌ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالتَّبَعِيَّةِ. وَهُنَا نَكْشِفُ الفَرْقَ الشَّاسِعَ بَيْنَ مَشْرُوعِ اللُّوَيْحَاتِ الرَّقْمِيَّةِ وَمَشْرُوعِ التَّشْفِيرِ وَالوُرَيْقَاتِ الوَطَنِيِّ وَغَيْرِ المُكَلِّفٍ. إِنَّ شِرَاءَ مَلَايِينَ اللُّوَيْحَاتِ الرَّقْمِيَّةِ، يَعْنِي ضَخَّ أَمْوَالٍ طَائِلَةٍ مِنْ خَزِينَةِ الدَّوْلَةِ إِلَى شَرِكَاتٍ أجنبيةٍ. هَذِهِ الأَجْهِزَةُ لَهَا عُمْرٌ افْتِرَاضِيٌّ قَصِيرٌ، وَتَحْتَاجُ إِلَى صِيَانَةٍ دَائِمَةٍ وَقِطَعِ غِيَارٍ مُسْتَوْرَدَةٍ. أَمَّا الِاسْتِثْمَارُ فِي مَادَّةِ التَّشْفِيرِ وَتَطْوِيرِ طِبَاعَةِ الوَرَقِ، فَهُوَ اسْتِثْمَارٌ فِي العَقْلِ الجَزَائِرِيِّ وَفِي المَطَابِعِ الوَطَنِيَّةِ المَوْجُودَةِ، مِمَّا يُدَوِّرُ رَأْسَ المَالِ دَاخِلَ الوَطَنِ وَيَوفّرُ مَنَاصِبَ شُغْلٍ لِلْمُهَنْدِسِينَ وَالفَنِّيِّينَ المَحَلِّيِّينَ، فَفِكْرَةُ تَوْزِيعِ الأَوْرَاقِ فِي أَكْيَاسٍ، تُلْغِي كُلَّ نَفَقَاتِ التَّجْلِيدِ الَّتِي لَا نَفْعَ مِنْهَا سِوَى زِيَادَةِ الوَزْنِ وَالمَالِ. هَذَا التَّوْفِيرُ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ لِتَحْسِينِ نَوْعِيَّةِ الوَرَقِ أَوْ دَعْمِ نَشَاطَاتٍ أُخْرَى. نَحْنُ نَنْتَقِلُ مِنْ إِنْفَاقِ المَالِ لِحَمْلِ الأَثْقَالِ إِلَى إِنْفَاقِ المَالِ لِتَحْفِيزِ الأَفْكَارِ.

إِنَّ مَا طَرَحْنَاهُ فِي هَذِهِ المَقَالَةِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ حُلُولٍ لِتَخْفِيفِ مِحْفَظَةٍ أَوْ تَوْفِيرِ مِيزَانِيَّةٍ، بَلْ هُوَ «مَانِيفِسْتُو» لِثَوْرَةٍ ذِهْنِيَّةٍ تُقْطَعُ مَعَ مَوَارِيثِ الجُمُودِ. إِنَّ السِّيَادَةَ فِي عَصْرِ مَا بَعْدَ المَادَّةِ لَا تُبْنَى بِتَقْلِيدِ الآخَرِينَ فِي قُشُورِ التِّكْنُولُوجِيَا (اللُّوَيْحَاتِ)، بَلْ بِتَفَوُّقِ الإِيقَاعِ التَّرْبَوِيِّ وَصَلَابَةِ المَنْطِقِ البَشَرِيِّ.

لَقَدْ أَثْبَتَتِ التَّجَارِبُ المَيْدَانِيَّةُ، وَمَا يَحْدُثُ اليَوْمَ فِي غَزَّةَ وَفِي مَيَادِينَ الحُرُوبِ الهَجِينَةِ، أَنَّ العَقْلَ البَشَرِيَّ المُتَعَلِّمَ الَّذِي يَعْرِفُ كَيْفَ يُشَفِّرُ وَيُصَحِّحُ الأَخْطَاءَ وَيَرْتَجِلُ الحُلُولَ مِنَ «الخُرْدَةِ» وَالمَوَارِدِ المَحَلِّيَّةِ، هُوَ أَقْوَى مِنْ أَيِّ مَنْظُومَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ جَامِدَةٍ. إِنَّ المَدْرَسَةَ الَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَى القِرَاءَةِ وَالكِتَابَةِ وَالحِسَابِ وَالتَّشْفِيرِ وَ«الوُرَيْقَاتِ المُنَظَّمَةِ» هِيَ الَّتِي سَتُخَرِّجُ لَنَا هَذَا الإِنْسَانَ الَّذِي لَا يَهَابُ التَّعْقِيدِ.

لِذَلِكَ نَدْعُو القَائِمِينَ عَلَى قِطَاعِ التَّرْبِيَةِ فِي الجَزَائِرِ إِلَى التَّحَلِّي بِـ«شَجَاعَةِ التَّبْسِيطِ»، اتْرُكُوا اللُّوَيْحَاتِ الرَّقْمِيَّةَ لِلْمَرَاحِلِ العُلْيَا، وَرَكِّزُوا فِي الِابْتِدَائِيِّ عَلَى بِنَاءِ العَصَبِ الفِكْرِيِّ. اجْعَلُوا مِنَ المِحْفَظَةِ الخَفِيفَةِ دَرْسًا فِي «عِلْمِ اللَّوجِسْتِيكِ» وَمِنَ التَّشْفِيرِ دَرْسًا فِي «عِلْمِ المَنْطِقِ». إِنَّ التَّارِيخَ لَا يَرْحَمُ مَنْ أَهْدَرَ مِيزَانِيَّةَ الأُمَّةِ فِي أَدَوَاتٍ تَسْلُبُ الأَطْفَالَ قُدْرَتَهُمْ عَلَى التَّفْكِيرِ.

الدِّرَاسَاتُ الحَدِيثَةُ فِي عُلُومِ الأَعْصَابِ، تُؤَكِّدُ أَنَّ الكِتَابَةَ بِاليَدِ، أي بِالقَلَمِ فَوْقَ الوَرَقِ، تُحَفِّزُ مَنَاطِقَ مِنَ الدِّمَاغِ لَا تَتَحَرَّكُ أَبَدًا عِنْدَ اسْتِخْدَامِ لَوْحَةِ المَفَاتِيحِ أَوِ الشَّاشَةِ. إِنَّ حِرْمَانَ الطِّفْلِ مِنْ مَلْمَسِ الوَرَقِ وَجُهْدِ الخَطِّ هُوَ حِرْمَانٌ لَهُ مِنْ أَهَمِّ رَوَابِطِ الذَّاكِرَةِ وَالتَّعَلُّمِ. نَحْنُ نُرِيدُ «تِلْمِّيذٌ تَقْنِيًّا» يَعْرِفُ كَيْفَ يُفَكِّكُ وَيُرَكِّبُ الأَجْزَاءَ المَادِّيَّةَ، لَا طِفْلًا يَعِيشُ فِي عَالَمٍ افْتِرَاضِيٍّ مَعْزُولٍ عَنِ الوَاقِعِ المِيكَانِيكِيِّ.

إِنَّ اللُّوَيْحَةَ الرَّقْمِيَّةَ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ تُحَوِّلُ الطِّفْلَ مِنْ فَاعِلٍ إِلَى مُسْتَهْلِكٍ سَلْبِيٍّ؛ فَالتِّلْمِيذُ الَّذِي يَقْضِي سَاعَاتِهِ فِي اللَّمْسِ وَالسَّحْبِ، يَتَعَوَّدُ عَقْلُهُ عَلَى انْتِظَارِ النَّتَائِجِ الفَوْرِيَّةِ وَالمُتْعَةِ السَّهْلَةِ. هَذَا النَّمَطُ يُدَمِّرُ مَا نُسَمِّيهِ «مَلَكَةِ التَّرْكِيزِ العَمِيقِ»، وَهِيَ المَلَكَةُ الَّتِي من دُونِهَا لَا يُمْكِنُ بِنَاءُ عَقْلِيَّةِ المُهَنْدِسِ أَوِ المُبَرْمِجِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلى سَاعَاتٍ مِنَ التَّأَمُّلِ وَالبَحْثِ عَنِ الأَخْطَاءِ.

مقالات ذات صلة