دراسة جديدة عن القانون الدولي الاتفاقي للعمل
من الكتب القانونية الحديثة التي وصلت للمعرض الدولي للكتاب في الجزائر هذه السنة، نذكر الكتاب الموسوم بـ”القانون الدولي الإتفاقي للعمل، مقدمة شاملة”، للدكتور عمر سعد الله، صدر عن دار الكتاب الحديث بالجزائر، ويمكن اعتباره مرشدا ومرجعا للمسؤولين وممثلي العمال أو نقابات العمل، ولمن له اهتمام بذلك حتى بصفة شخصية ليسترشدوا به في أسواق العمل المختلفة ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وتحقيق النتائج المرجوة من حيث الدقة والمعايير الدولية.
ونعتقد هنا بأن الجهل بالقواعد التي تضبط في الوقت الحالي حقوق العمال وواجباتهم، يؤدي إلى الوقوع في أخطاء كثيرة قد تسبِّب الحرج والإساءة للعامل والتنظيم النقابي، وخاصة إذا كان العامل من الفنيين أو ينتمي لشركات تكنولوجية أو تخصُّصات حساسة، الأمر الذي قد يفضي إلى احتجاجات واستقالات ومطالبات بتغيير السياسات وإلى خرق بعض الشروط المحدِّدة للعمل، والأحكام ذات الصلة. ولذلك فإن هذا القانون سوف يعزز حقوق الإنسان ويحمي حقوق العمال وأرباب العمل، ويضبط معايير الاستخدام في المؤسسات، ويضمن مكافحة البطالة، ويؤمِّن أجرا يكفل ظروف معيشة مناسبة. ويكفل حماية للأطفال والأحداث والنساء العاملات، فضلا عن تحقيق معاش مناسب للعمال عند الشيخوخة والعجز، ويحمي مصالح المستخدَمين منهم في بلدان غير بلدانهم، واكتسابهم أجرا متساويا مع العمل المتساوي.
وحيثما كان هناك عمال فإن هناك قواعد منتشرة في 188 اتفاقية متخصّصة، وفي سلسلة من التوصيات القيّمة لمنظمة العمل الدولية تزيد عن 199 توصية، موجهة جميعا لضبط حقوق الموظفين وأصحاب العمل ونقابات العمال، وحماية جميع العمال من الرجال أو النساء أو الأطفال. وتكفل القواعد العرفية أيضا احترام معايير الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، والأمن وعدم التمييز، وساعات العمل اليومية والأسبوعية لهؤلاء. كما تتناول مواضيع معينة ترتكز على مكافحة البطالة وتوفير أجر يكفل ظروف معيشة مناسبة، وحماية العمال من العلل والأمراض والإصابات الناجمة عن عملهم، وحماية الأطفال والأحداث والنساء. وتكفل أيضا معاش للشيخوخة والعجز، وتحمي مصالح العمال المستخدمين في بلدان غير بلدانهم، وتؤدي إلى استخدام مبدأ الأجر المتساوي عن العمل المتساوي، ومبدأ الحرية النقابية.
ومن التحديات الخاصة التي تواجه تنفيذ هذا القانون عرض ومقاربة الكيانات الفاعلة على المستوى العالمي، وعلى الرغم من وجود اختلافات قانونية وواقعية لا بد من أخذها في الحسبان بالنسبة لهذه الكيانات، فإن هناك تقاربا موضوعيا بين دور الدول والمنظمات الدولية، وهيئات المعاهدات لا يمكن تجاهله، إذ تتضافر لتنفيذ الالتزامات وتساعد على وضع تشريعات وطنية لتحديد ساعات العمل اليومية والأسبوعية، وتنظيم عروض العمل، ومكافحة البطالة، فضلا عن توفير أجر يكفل ظروف معيشة مناسبة. وتقف جميعا ضد الممارسات غير الإنسانية تجاه العمال، وتعمل من أجل القضاء على ظروف العمل السيئة التي تتضمّن الظلم والمعاناة والحرمان. وتخفّف من الآثار السلبية المحتملة بالنسبة لحقوق العمال، وتعزّز أمنهم الوظيفي، كما تحسّن الشروط اللازمة للتوظيف على نطاق عالمي.
هذا القانون سوف يعزز حقوق الإنسان ويحمي حقوق العمال وأرباب العمل، ويضبط معايير الاستخدام في المؤسسات، ويضمن مكافحة البطالة، ويؤمِّن أجرا يكفل ظروف معيشة مناسبة. ويكفل حماية للأطفال والأحداث والنساء العاملات، فضلا عن تحقيق معاش مناسب للعمال عند الشيخوخة والعجز، ويحمي مصالح المستخدَمين منهم في بلدان غير بلدانهم، واكتسابهم أجرا متساويا مع العمل المتساوي.
ونظرا للوضع المترجرج للقانون الدولي للعمل تركزت بعض فصول الكتاب على عرض حالات تتعلق بحماية العمال في الواقع المعاصر، فتناولت مثلا أحكام العمل الجبري، الذي يقترن بكل أعمال أو خدمات تُطلب عنوةً من أي شخص تحـت التهديد بأي عقوبة، ولم يتطوع الشخص لأدائها بمحض إرادته. ولقد اتَّخذت الجزائر موقفا متميزا من ذلك، حينما اتخذت التدابير الضرورية للحؤول دون تحوُّل العمل الجبري إلي ظروف تماثل ظروف الرق، ومنعت تشريعاتها كل الأعمال المؤدية إليه، وحظرت تشريعاتها كل أعمال أو خدمات تغتصب من أي شخص تحت التهديد بأي عقوبة.
ويعلن الحرب على منع الحرية النقابية للعمال وعلى من يقف ضد حماية حق التنظيم النقابي للعمال وأصحاب العمل، من دون تمييز من أي نوع، بوصف ذلك حقا من الحقوق الثورية الجديدة التي تستخدمها منظمات العمال وأصحاب العمل، ويمنعها من الخضوع لقرارات الحل أو وقف العمل التي تتخذها سلطة إدارية. ولا يؤدي هذا الحق إلى التشويش على القانون الوطني، الذي يفترض أن لا ينتقص من الضمانات الدولية بحق تكوين اتحادات واتحادات خلافية والانضمام إليها، أو حق الانتساب إلى منظمات دولية للعمال وأصحاب العمل من دون ترخيص مسبق من أحد.
ويستعرض أيضا المفاوضة الجماعية لجميع العمال التي يمكن أن تُقدَّم كشكل من أشكال التنظيم المشترك، مساهمة مهمة في حوكمة شاملة وفعالة للعمل، ويمكن أن يكون لها آثار إيجابية على الاستقرار والمساواة والامتثال ومرونة المؤسسات وأسواق العمل. وهي تمثل أداة أساسية لمواجهة التغييرات الجوهرية التي تعصف بعالم العمل، وتكتسب أهمية خاصة في ضوء النمو السريع في ترتيبات العمل المتنوعة بما في ذلك العمل المؤقت، والعمل بدوام جزئي وعند الطلب، وعلاقات التوظيف متعددة الأطراف، والعمل الحر المعتمد، بما في ذلك عمل المنصة، الذي يتم تنفيذه في ظل علاقات عمل وتوظيف مختلفة. ولها طابع حركي إذا أخذنا في الاعتبار أهدافها، إذ أنها خففت من آثار أزمة كورونا على التوظيف والأرباح، مما ساعد على التخفيف من بعض الآثار على عدم المساواة مع تعزيز مرونة المؤسسات وأسواق العمل من خلال دعم استمرارية النشاط الاقتصادي.
ويتناول أيضا تكافؤ الأجور، الذي يحلّل وجوب تطبيق القانون الدولي للعمل إذا كانت الوظائف متطابقة، وكانت على قدر كبير من المساواة، وحصول الرجال والنساء في مكان العمل نفسه على أجر متساوٍ مقابل العمل نفسه. والقاعدة صريحة في ما يتعلق بالأجور المغطاة بما في ذلك الرواتب، وأجر العمل لوقت إضافي، والعلاوات، وخيارات الأسهم، وخطط مشاركة الأرباح والعلاوات، والتأمين على الحياة، والسداد مقابل العطلات والإجازات، وبدلات التنظيف أو البنزين، والإقامة في فندق، وسداد تكاليف نفقات السفر، والمزايا. بالإضافة إلى ذلك، فانه في حالة عدم وجود تكافؤ في الأجور فلا يجوز لأرباب العمل خفض أجور أي من الجنسين الرجال والنساء لمعادلة رواتبهم.
ويعدّ تفتيش العمل مسألة جوهرية، سواء على مستوى الوضع القانوني الممنوح للمفتشين أو بالنسبة للمعاملة التي يتلقاها العامل، لأنه يتعلق بكيفية تفتيش العمل الذي يعدّ المهمات التي يقوم بها مفتشو العمل الذين يسميهم وزير العمل بقرار منه، وذلك لتنفيذ اختصاصاتهم المنصوص عليها في نظام العمل. ويندرج في هذا الإطار المعاييـر الدوليـة التي تنظـم مهـام تفتيـش العمـل والسلامة المهنيـة والتي يتـم الاعتماد عليهـا فـي معظـم دول العالـم لتحديـد مهـام المفتشـين، ومـع ذلـك تختلـف هذه المعايير قليـلا مـن بلـد إلى آخـر حسـب الصلاحيـات المخولـة للمفتِّـش بشـكل مباشـر مـن القوانيـن والتشـريعات الناظمـة فـي كل دولـة.
ويعنى كذلك بقواعد العمل الدولية بشأن إدارات التوظيف التي تتولى إمداد جهات العمل كالشَّركات بما تحتاج إليه من كفاءات وخبرات؛ كيما تتمكن من تحقيق أهدافها وتنفيذ استراتيجياتها. وتغطي الأحكام بوضوح عملية تعيين الموظفين واختيارهم، وبأي أنشطة جمّة مثل: وضع إعلانات الوظائف؛ للعثور على الأشخاص، ومراجعة نماذج الطلبات، وجدولة المقابلات. من هنا فإنها تراقب متى يتحمّل العامل المسؤولية عن سلوكه في حالات ارتكاب مخالفات بصفتهم الشخصية.
وبشأن حظر التمييز في العمل من جانب أرباب العمل، الذي يمكن فهمه داخل إطار هذا القانون على أنه يمثل مبدأ أساسيا وعامّا يتعلق بحماية حقوق الإنسان للعامل، لكونه يقوم على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الأصل القومي، وعلى التفاوت في المعاملة لشخصين متساويين في المؤهلات، وهو ما يؤثّر بصورة مباشرة وغير مباشرة على النتائج الاقتصادية للعمالة المنتجة. أليس القانون الدولي للعمل نظاما كاملا مستقلا بذاته؟ إنه لا ينفذ إلا وفقا لقواعده التي تفرض على كل دولة الالتزام بضمان حقوق جميع العمال الموجودين في منشآتها من دون أي تمييز، واتخاذها تدابير ردعية تكفل بها حماية واحدة وفعالة ضد أنواع التمييز بين العمال.
وتستخدم قواعد أخرى حدا أدنى لسن الالتحاق بالعمل، إذ يمكن لأي دولة لم يبلغ اقتصادها وتسهيلاتها التعليمية درجة كافية من التطور، أن تقرر سياسة وطنية ترمي إلى القضاء فعليا على عمل الأطفال ورفع الحد الأدنى لسن الاستخدام أو العمل بصورة تدريجية إلى مستوى يتفق مع النمو البدني والذهني للأحداث. ولهذا تعهّدت الدول بعدم قبول أي شخص لم يبلغ سنا معينة للاستخدام أو العمل في أي مهنة، واعتادت في البداية على قبول حد أدنى للسن يبلغ 14 سنة.
وأخيرا، يلاحظ تبني المؤلف لمواقف غير تقليدية إزاء تطبيق القانون الدولي الإتفاقي للعمل، وإنفاذه من خلال آلياته، وأجاب أيضا على تساؤلات خصوصا بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال، الذي يمكن نسبته للعمل الذي يشكل خطرا نفسيا أو بدنيا أو اجتماعيا أو يضر أخلاقيا بالأطفال، أو الذي يؤثر سلبا على دراستهم، أو هو حرمانهم من فرص الالتحاق بالمدارس؛ أو إرغامهم على محاولة الجمع بين الحضور المدرسي والعمل الطويل والمضني بشكل مفرط أو إلزامهم بترك المدرسة قبل الأوان. ونجد توضيحا أكثر تفصيلا لممثلي العمال، فلكي تنطبق القواعد الدولية على هؤلاء يجب أن ينتخبوا من عمال المؤسسة بحرية طبقا لأحكام القوانين واللوائح الوطنية أو الاتفاقات الجماعية، وأن لا تمتد مهامهم إلي أنشطة يعترف في البلد المعني بأنها من اختصاص النقابات دون سواها. وتوضيحا آخر للعمل البحري، الذي يمكن فهمه داخل إطار عقد عمل بحري، يبرَم لاﻟﺗﺣﺎق اﻟﺑﺣّﺎر باﻟﻌﻣل ﻋﻟﯽ ﻣﺗن ﺳﻔﯾﻧﺔ، وﯾﺻﺑﺢ معه أﺣد أﻓراد طﺎﻗﻣﮭﺎ اﻟذي ﺗم إﻋداده ﻣن أﺟل رﺣﻟﺔ ﺑﺣرﯾﺔ.
ولهذا، يمكن أن يساعد هذا المؤلف على فهم القانون محل الدراسة، الذي يتسم بطبيعة أقل إلزاما بالرغم من أنه يمثل فرعا من القانون، ويسد ما به ثغرات كبيرة بشأن دور الدول كلاعب وحيد على الساحة الدولية، وتناقصه بالنسبة لدور منظمة العمل الدولية، ونقابات العمال، والتزامات عقود العمل المتنوعة في عالم اليوم. ومع ذلك يترتب على هذا القانون التزاماتٌ على الدول والأشخاص وأرباب العمل بإتباع القواعد العامة بشأن نسبة مسؤولية الأفعال غير القانونية المرتكَبة من هؤلاء، وهي مسؤولية أكثر كثيرا مما يمكن أن ترغب.