الرأي

دردشة عشية زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر للجزائر

في خطوة دبلوماسية وروحية تعيد صياغة المشهد العالمي، خاصة بعد الفوضى الخلاقة التي  خلقتها الحرب الأخيرة على إيران من طرف «الهيودية- المسيحية»  بقيادة نتنياهو وترامب.. تستعد الجزائر في منتصف هذا الشهر لاستقبال قداسة البابا ليون الرابع عشر، استجابة للدعوة الرسمية التي وجهها له رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.

هذه الزيارة، التي تعد الأولى من نوعها في تاريخ الجزائر، لا تأتي فقط كبروتوكول سياسي، بل كرسالة سيادية قوية تؤكد دور الجزائر كأرض للتلاقي والحوار بين الأديان، وهذا منطلق لإرث القديس أوغشتين، الذي وُلد في هذه الأرض الطاهرة وأصبح لاهوتا عالميا، حيث انطلق منها لهداية العالم.

إلا أن هذه الأجواء الاحتفالية في الجزائر تقابلها صورة قاتمة وشديدة القسوة في عدة أماكن في العالم وخاصة في الشرق الأوسط وفلسطين المحتلة والقدس الشريف تحديدا، إذ تواصل آلة القمع الصهيونية انتهاك حرمة المقدسات المسيحية والإسلامية، وأخيرا حرمة كنيسة القيامة والتنكيل بالمصلين والرهبان.

إن هذا التناقض يضع العالم أمام حقيقة لا تقبل التأويل، فبينما يمدّ الرئيس تبون يد الجزائر لرمز الكاثوليكية العالمي وأحد تلاميذ القديس أوغشتين، لترسيخ قيم التعايش والعدل، تواصل الدولة العبرية ممارسة الإقصاء الديني، ضاربة عرض الحائط بكل القيم الإنسانية والمواثيق الدولية.

إن دعوة الرئيس تبون لقداسة البابا ليون الرابع عشر، هي في جوهرها دعوة لإحقاق الحق وتذكير من قلب إفريقيا الأوغشتينية، بأن السلام لا يمكن أن يتحقق في ظل احتلال لا يحترم قدسية الأماكن المقدسة كانت مسيحية أو إسلامية ولا يحترم كرامة الإنسان، مما يجعل من الجزائر اليوم المنبر الأخلاقي والديبلوماسي الأبرز للدفاع عن هوية القدس الشريف في وجه محاولات التهويد والغطرسة الصهيونية تحت حماية الولايات المتحدة والغرب.

الرئيس تبون من خلال دعوته لبابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، يسلط الضوء على أن الجزائر ليست مجرد دولة مسلمة فقط، بل هي حاضنة تاريخية للمسيحية المبكرة، المسيحية الحقيقية؛ فسكان هذه الأرض كانوا يعبدون الله عز وجل قبل الإسلام، والدليل الساطع والذي يجب أن نفتخر به اليوم وغدا وبعد غد، هو المفكر والفيلسوف القديس أوغشتين، والذي وُلد في 13 نوفمبر 354م، بمدينة طاغست (سوق أهراس اليوم)، أي أنه ولد قبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم بـ216 سنة.

ويعرف النهج الفكري الذي يستند إلى تعاليم القديس أوغشتين باسم الأوغشتينية (Augustinianism). وهو ليس مذهبا مستقلا تماما مثل الكاثوليكية أو البروتستانتية أو  الأرثوذوكسية، بل هو تيار لاهوتي وفلسفي عميق، أثّر بشكل جوهري في صياغة العقيدة المسيحية الغربية. هذا التيار الفكري يستند إلى كتابات القديس أوغشتين (354-430)، وهو مفكرٌ وفيلسوف ولاهوتي أمازيغي وُلد في طاغست (سوق أهراس الحالية بالجزائر). وترتكز أهم أفكاره على:

– الخطيئة الأصلية والنعمة: يركز القديس أوغشتين على أن الإنسان لا يستطيع الخلاص بمفرده بل يحتاج إلى النعمة الإلهية.

– مدينة الله: طرح مفهوم مدينة الله، مقابل مدينة الأرض، وهو ما يشكل العلاقة بين الكنيسة والدولة لقرون.

– العقل والإيمان: نادي بأن الإيمان يسبق الفهم (آمن لكي تفهم).

كما أن في الكنيسة الكاثوليكية هناك مجموعات رهبانية تتبع «قانون القديس أوغشتين»، وتُعرف بإسم “الرهبنة الأوغشتينية” ومنهم بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر. هؤلاء ليسوا مذهبا منفصلا بل هم كاثوليك يتبعون نظام حياة روحيا وضعه القديس أوغشتين يركز على: الحياة الجماعية، والبحث عن الحقيقة من خلال الدراسة والتأمل، والخدمة الرعوية.

من المثير للاهتمام، أن تأثير القديس أوغشتين، لم يقتصر على الكاثوليك فقط، بل هناك من هم خارج الكاثوليكية، مثل البروتستانت، فمؤسس هذا المذهب مارتن لوثر، كان في الأصل راهبا أوغشتينيا. وقد استمد عقيدة «التبرير بالإيمان» من قراءته لرسائل القديس بولس تفسير القديس أوغشطين. وباختصار، فالتابعون للقديس أوغشتين هم إما رهبان يتبعون نظامه في الحياة، أو لاهوتيون من الكاثوليك والبروتستانت، الذين يبنون رؤيته الفلسفية للإنسان والكون والرب.

كما يعتبر موقف القديس أوغشتين من اليهودية من أكثر المواضيع جدلا وتأثيرا في التاريخ الأوروبي والعالمي، إذ صاغ ما يُعرف بـ«عقيدة التسامح المشروط» أو «نظرية الشاهد».  لم يكن القديس أوغشتين يدعو إلى اضطهاد اليهود أو إجبارهم على الدخول في المسيحية، لكنه في الوقت نفسه وضع إطارا لاهوتيا يبرر بقاءهم في حالة «دونية» اجتماعية ودينية.

1- نظرية «الشاهد»: كان القديس أوغشتين، يرى أن بقاء اليهود وتشتتهم في العالم ليس صدفة، بل هو تدبير إلهي لخدمة المسيحية. وبحسب رؤيته:

– الحفاظ على العهد القديم: اليهود هم «حراس الكتب»، وبقاؤهم يؤكد للمشككين أن نبوءات العهد القديم حول المسيح هي نبوءاتٌ حقيقية وليست من اختراع المسيحيين.

– شهادة على الخطأ: كان القديس أوغشتين يرى أن حالة الشتات والذل التي عاشها اليهود في عصره بعد سقوط القدس، هي دليلٌ حي على ما سماه «عقابا إلهيا» لرفضهم المسيح.

2- لا تقتلوهم «الحماية الجسدية»: خلافا لبعض القادة الدينيين المتطرفين في عصره والذين نادوا بإبادة اليهود أو هدم معابدهم، كان للقديس أوغشتين موقف حازم:

– استشهد بالآية من المزامير: «لا تقتلهم لئلا ينسى شعبي».

– كان يرى أن قتلهم يمحو «الشهادة» التي يقدمونها، ولذلك يجب حمايتهم والسماح لهم بممارسة شعائرهم، ولكن في إطار «تفوُّق» المسيحية عليهم.

3- التفسير الرمزي «قابيل وهابيل»: استخدم القديس أوغشتين قصة قابيل وهابيل كرمز للعلاقة بين اليهود والمسحيين:

– شبه اليهود بـ«قابيل» الذي قتل أخاه، ولكنه وضع علامة على جبهته لكي لا يقتله أحد.

– بالنسبة لأوغشتين، العلامة هي الشرائع اليهودية التي تميزهم، وهي تحميهم من القتل وتجعلهم «عبيدا» يحملون كتب أسيادهم المسيحيين.

4- الموقف من الشريعة اليهودية: كان القديس أوغشتين يرى أن الشريعة والطقوس اليهودية مثل السبت وقوانين الطعام، كانت ضرورية في وقتها كتمهيد، ولكنها أصبحت ميتة بعد مجيء المسيح. ومن هنا جاءت فكرته بضرورة تحول اليهود إلى المسيحية  «بالإقناع لا بالإكراه».

وقبل أن اختم هذه المقالة، نبيِّن متى ظهرت فكرة «اليهودية- المسيحية» والتي يتغنى بها الغرب اليوم ومعهم الكيان الصهيوني. في الحقيقة لم يكن موجودا هذا المصطلح في زمن القديس أوغشتين، ولا في العصور الوسطى. بل إنّ ظهور هذا المصطلح وانتشاره يعود إلى عام 1820 في الأوساط الأكاديمية الألمانية والبريطانية، لكنه كان يُستخدم لوصف المسيحيين الأوائل من أصل يهودي. لم يكن يُقصَد به حضارة مشتركة كما تُعرف اليوم.

والسياسي الغربي اليوم يتحدث عن الدفاع عن القيم المسيحية، لكنه يغضُّ الطرف عن إهانة رجال الدين المسيحيين في القدس إذا كان المعتدي هو الحليف الصهيوني. وهذا يؤكد أن مصطلح «اليهودية- المسيحية» هو أداة جيوسياسية أكثر من كونه حقيقة دينية أو اجتماعية. هو مصطلحٌ وُجد لخدمة مصالح الرجل الأبيض، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وليس لحماية المسيحيين كأفراد أو ككنائس في الشرق.

وبالعودة إلى الاعتداءات الحالية التي تقوم بها «اليهودية- المسيحية» بقيادة نتنياهو وترامب على العالم وتحديدا على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس، والشعب اللبناني والسوري والإيراني.. فلو كان القديس أوغشتين حيا اليوم، فربما استشهد بمقولته الشهيرة: «إن العدل هو ما يميز المماليك (والحكومات) عن عصابات اللصوص».

فهل ستكون زيارة بابا الفاتكان ليون الرابع عشر للجزائر، مسقط رأس القديس أوغشتين ووطنه الأصلي، مناسبة لوقف الحرب المشتعلة اليوم في الشرق الأوسط، وانطلاق عهد جديد، عهد التسامح والأخوّة، عهد يُحترم فيه الإنسان مهما كان دينه وجنسه ولونه؟

في الكنيسة الكاثوليكية هناك مجموعات رهبانية تتبع «قانون القديس أوغشتين»، وتُعرف بإسم “الرهبنة الأوغشتينية” ومنهم بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر. هؤلاء ليسوا مذهبا منفصلا بل هم كاثوليك يتبعون نظام حياة روحيا وضعه القديس أوغشتين يركز على: الحياة الجماعية، والبحث عن الحقيقة من خلال الدراسة والتأمل، والخدمة الرعوية.

مقالات ذات صلة