الرأي
وقفات رمضانيّة

درس نادر في التحلّي بالمسؤولية

سلطان بركاني
  • 4761
  • 0

من المواقف الأخلاقية النّادرة التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعيّ على نطاق واسع، موقف معلّم هنديّ يُدعى “عبد الملك”، من مقاطعة كيرالا الهندية؛ دأب منذ سنوات على الذّهاب إلى المدرسة يوميا من خلال طريق مختصرة يضطرّ معها لقطع النّهر سباحة وهو يحمل ثيابه في حقيبة بلاستيكية حتى يصل إلى الضفّة الأخرى مبكرا، بدل الذّهاب على متن الحافلة التي تأخذ منه وقتا يستغرق 3 ساعات، وعندما سئل عن خياره الصّعب قال إنّه لا يهتمّ لما يعانيه ولا بحجم الراتب الذي يتقاضاه بقدر اهتمامه بأن يصل في أقصر وقت إلى تلاميذه ولا يضطرّ للتأخر عنهم، فهم يحبونه وهو يحبهم كثيرا.

ربّما يبدو هذا الموقف غريبا لدى كثير من الموظّفين الذين يختلقون أوهى الأعذار والمبرّرات للتأخّر عن أعمالهم ووظائفهم؛ فهذا يتعلّل بأنّه يسكن بعيدا عن مكان العمل، وذاك يتعلّل بتأخّر الحافلة، وآخر بازدحام الطّريق، وآخر بعدم استيقاظه باكرا، إلى آخر ما هنالك من الأعذار التي يعلم المتعلّلون بها أنّها لا تصلح لتكون مبرّرات للتأخّر المتكرّر والمتواصل عن مكان العمل؛ تأخّر يدفع المواطن فاتورته، خاصّة في المصالح العموميّة والخدمية، حيث يضطرّ من يرتاد هذه المصالح للجلوس طويلا في انتظار وصول الموظّف!.

ويتّسع الخرق على الرّاقع أكثر في شهر رمضان، حيث وعلى الرّغم من تقليص عدد ساعات العمل وتأخير وقت بداية الدوام اليومي وتقديم موعد الانصراف، إلا أنّ كثيرا من الموظّفين يتأخّرون في الوصول إلى مكاتبهم وأماكن عملهم بوقت يتجاوز السّاعة في كثير من الأحيان، وهو الواقع الذي يعلمه ويراه المسؤولون على تفاوت مسؤولياتهم، لكن لا أحد يتحرّك لتغييره، لأنّ أكثر هؤلاء المسؤولين لا يختلفون كثيرا عن أولئك الموظّفين، بل إنّ التسيّب الحاصل في كثير من الإدارات والمصالح هو بسبب بعض المديرين والمسؤولين الذين يأبون إلا أن يكونوا قدوة سيئة للموظّفين، ويبقى أنّ أهمّ سبب هو غياب روح المسؤولية بل وغياب الضّمير الإنسانيّ عند كثير من الموظّفين.

إنّ أيّ محاولة لإصلاح التعليم أو السياسة أو الاقتصاد لا تبدأ من إصلاح الإنسان وتصحيح وجهة تفكيره وتهذيب سلوكه وإعانته على استعادة فطرته الإنسانية والتحلّي بما يكفي من المسؤولية لجعله يستحضر دائما وأبدا أنّه ليس وحده في هذا العالم وأنّه ينبغي أن يعطي ما يكفي ليأخذ ما يحتاج؛ أيّ محاولة للإصلاح لا تنطلق من هذه الحقيقة لن يكتب لها النّجاح، ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)).

مقالات ذات صلة