الرأي

دروسٌ من تجربة آل الأسد

سيف الدين قداش
  • 1109
  • 0

مثّلت تجربة آل الأسد في حكم سوريا نموذجا ثريا من كل نماذج الاستبداد والاستعباد والإذلال لكل من يفكر أو يعتقد أو يجهر بمعارضته للنظام “الوطني”، “الراشد” و”المقاوم” الذي تهدده مؤامرات الخارج من خلال أدوات الداخل، بدءا من “الإخوان المسلمين” وصولا إلى المظاهرات الشعبية في درعا، إلى تفشي الصراع الداخلي المدني والعسكري في عموم سوريا جراء عدم تقدير النظام السوري والتزامه بأصول رجال الدولة وعدم استفادته من التاريخ وعِبره، ومنها حكمة حاكم دمشق الأموي معاوية بن أبي سفيان لمدة 42 سنة (والي 22 سنة وخليفة 20 سنة) والذي قال مقولته الشهيرة: “بيني وبين الناس شعرة فإذا أرخوها شددتُها، وإذا شدوها أرخيتها”، وقول ابن خلدون الخالد إن”الظلم مؤذِنٌ بخراب العمران”، فضلا عن مقولة لنزار قباني قال فيها “إن العدو لم يدخل من حدودنا، بل تسرَّب كالنمل من عيوبنا”.

الشخص الذي دمّر سوريا

بينما بدأت حالة الشحن الشعبي في سوريا في التنامي، عمدت أدوات بشار الأسد الأمنية لشحذها بالاستفزاز والطغيان والتجبّر، والتعامل مع السِّلم الأهلي بكثير من الاستهتار بعيدا عن فهم سيكولوجية الجماهير، فضلا عن أن كرامة الشعوب يمكن أن تدفع شهداء ودماء كثيرة أمام كل من يحاول استعباد الناس الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا، سواء لعدو الخارج الواضح، أو من تقلّد مسؤولية خدمتهم بينما حوّل البلاد إلى محمية عائلية وطائفية ونظام زبائني يُقرّب من يطبّل ويخضع له، ويُذل كل من يتمرد على سلطته المادية أو المعنوية بمختلف الأساليب الوحشية.

لقد مثلت فترة الأسد الأب والابن نموذج سيطرة الشخص والأسرة على البلد، وسط مبررات موضوعية وواهية، وطنية وشخصية، طائفية وعقائدية، لكن الدرس الأهم في هذا الوضع هو قراءة في التجربة وتفكيك أدواتها، كيف أسّس قمع آل الأسد لكراهية النظام، وكيف مهّد ذلك لاستقرار الأمر الواقع، وكيف أدى القمع غير المسوؤل بعد 2011، إلى انهيار شرعية النظام ودخوله في حالة انفصام مع مسؤولياته وتورطه في تحطيم الدولة السورية، والتلاعب بمواردها وسيادتها وتعطيل عجلة التنمية لمدة تزيد عن 13 سنة، ورهنها للقوى الخارجية التي تدعم النظام والمعارضة وفق مصالحها وحساباتها الاستراتيجية، فضلا عن تقسيم الجغرافيا والديموغرافيا بعد سقوط شرعية النظام ودخول الشعب والبلاد حالة الانقسام الذي لا رجعة فيه، والأدهى هو قتل وتعذيب نحو 500 ألف سوري، فضلا عن ترك سوريا محطَّمة ومنقسمة على ذاتها ينهشها المسعور الإرهابي نتنياهو بدعوى الأمن الوقائي والمناطق العازلة، والتدخلات الخارجية بدعوى الشرعية والحرص على مصلحة الشعب والدولة السورية، وقد قيل فيه إنه سيسجَّل في التاريخ بأنه “الشخص الذي دمَّر سوريا”.

مؤسسة للقمع والتوريث

مثَّل حافظ الأسد نموذجا متوحشا للحاكم العربي الرئيس “الملك” الذي تربع على عرش سوريا لمدة 30 سنة، سيطر فيها على كل شيء واختلف فيها مع الرفاق والإخوة وقتل وسجن بعضهم ونفى بعضهم الآخر، ومنهم أخوه رفعت الأسد الطاع في منصب أخيه، ليستمرّ في تقمص مقولة لويس الرابع عشر “أنا الدولة” إلى آخر يوم من حياته، فقد كانت خلفيته العسكرية الصلبة وتمتعه بصلاحيات لا يقف أمامها أحد ولا يناقشها أحد، ليصبح الامر الناهي والحاكم بأمره للبلاد، وتمتاز البلاد في فترته بحكم الأجهزة المخابراتية والأمنية التي تراقب وتضيق الخناق على كل الأصوات المعارضة والتعامل مع الشعب بهواجس الشك لا الثقة، نتيجة عدم وجود شرعية وشعبية حقيقية لنظامه تنبع من إرادة الشعب في التفاعل مع ممارسات النظام وفق آماله ورؤيته.

ويتجلى الآن لكبار الضباط في الجيش السوري حجم الخديعة الكبرى والخطأ الفادح الذي ارتكبوه بعد أن زجّ بهم الرئيس الهارب في سياسة تدميرية ذاتيّة غبيّة استنفدت كل رصيدهم الأخلاقي والعسكري، وأنهم قاتلوا لحماية نظام الأسد المتغير والساقط، وليس أسس الدولة الثابتة من شعب وجغرافيا ومصالح إستراتيجية.

وقد كانت مجزرة حماة التعبير الحقيقي عن العقلية الافتراسية للنظام الأسدي الناشئ والمتمكّن والذي أراد أن يؤكّد لكلّ فصيل معارض بأن آلة الدمار والقتل ستنتظره بلا رحمة، وهو ما حدث بالفعل طيلة 30 سنة، إذ كان الرعب من وحشية النظام يكبح كل انتفاضة ضد الظلم، لكن النظام الأسدي الذي صمَّم الدولة والجيش والقوى المدنية من أحزاب وجمعيات وطوائف وعرقيات وشيع إلى مراكز قوى أسدية الولاء والانتماء، سرعان ما ورَّثت الدولة والشعب ومقدراتها إلى شبل أسدي يحيط به المعسكر القديم وتراث حافظ يحيط به من كل جانب، وسط نظام مصمَّم بدقة للخضوع والولاء والقسوة إلى أقصى حدّ، لكنه ورّث كذلك أخطاء الماضي التي لم تصحَّح أو تراجَع، بل تراكمت وأضحت المظالم كالجبال جراء سياسة “القمع الجزئي” في حماة وسحابة الرعب مستمرة، قبل أن يتحول إلى “القمع الشامل” زمنيّا ومكانيّا طيلة 13 سنة، إلى غاية انهيار النظام.

من الجيش الوطني إلى الأسدي

بعكس العديد من الجيوش العربية وطنية التأسيس، لم يؤدّي الجيش السوري من خلال قياداته العليا أي دور في محاولة معادلة الكفة وتجديد النظام وتجنيب البلاد مخاطر الانفلات والتفكك، بل زجّ به وبقياداته العليا في حرب شوارع ومدن هو غير مؤهَّل لها أو مدرَّب عليها، وتعامل مع انتفاضات شعبية بمنطق حروب أو معارك ميدانية، ما أدى إلى تدمير المدن وقتل الكثير من المواطنين خاصة من خلال القوات الجوية والبرية.

تؤكد تجربة آل الأسد، سواء في عهد الأب أو الابن، أن النظام الاستبدادي قطعًا سيدمِّر الوطن، وأن فشل بشار الأسد في الفرصة الثانية لآل الأسد لتصحيح الأوضاع فشلت في معالجة المشاكل البنيوية التي ورثها من والده، وعوضا عن ذلك، اختار استخدام القمع العسكري لتثبيت حكمه، فكان الثمن تدميرا شاملا لبلاده وفرارا له ولأسرته وتركه لأعوانه وجنود جيشه الذين قاموا بمهام قذرة لحماية نظامه، لمصيرهم، ما يدل على ضعف تقدير وقصر نظر، وفشل ذريع.

وبعد تحطيم صورة الجيش الوطني وتحويله إلى جيش أسدي الولاء، يقف مع النظام الذي لم يستنفد الحلول السياسية ولم يقدِّم أيَّ تنازلات للجماهير، ضد الشعب الرافض لسلطة الرئيس وليس لمؤسسة الجيش أو استقرار البلاد، ما أدى إلى استنزاف الجيش في مجهود حربي داخلي وكسر السلم المجتمعي وحطم البلاد وعزز الشرخ الداخلي، وحوّله أمام المجتمع الدولي إلى جيش مجرم عوضا أن يحمي شعبه من الخطر الخارجي أصبح يقتله بدعوى الإرهاب والتمرد على سلطة رئيس فشل في تصميم حلول سياسية فعالة أو وضع مخطط عمل يجنب الشعب والبلاد ويلات الصراع الداخلي.

ويتجلى الآن لكبار الضباط في الجيش السوري حجم الخديعة الكبرى والخطأ الفادح الذي ارتكبوه بعد أن زجّ بهم الرئيس الهارب في سياسة تدميرية ذاتيّة غبيّة استنفدت كل رصيدهم الأخلاقي والعسكري، وأنهم قاتلوا لحماية نظام الأسد المتغير والساقط، وليس أسس الدولة الثابتة من شعب وجغرافيا ومصالح إستراتيجية.

خراب الديموغرافيا وتقسيم الجغرافيا

أدى الأسلوب القمعي للانتفاضة السورية على النظام الأسدي، إلى خراب مالطا، فقد هاجت حشود الجماهير الشابة المتأثرة بالتحولات التي كانت جارية في المنطقة العربية، غير مكبَّلة بماضي حماة وغير عابئة بالقمع الوحشي من أجهزة الأمن ومخابرات النظام الأسدي وشبِّيحته، وكان أسلوب القمع الوحشي كصبِّ الوقود على النار، لكن الأخطر في هذا هو تأسُّس قوى مناهضة للنظام القمعي وانشقاقها عنه وتمرّدها عليه بل ومحاربتها له، خاصة بعد فقدانه الشرعية الشعبية وانفلات عديد مناطق البلاد من سلطته، وأدى ذلك الفراغ الديموغرافي إلى نشوء “الجيش السوري الحر”، وجماعات متطرفة وإرهابية مثل “داعش” كما هاجرت الديموغرافيا “اللاجئين” إلى مناطق جغرافية محرَّرة وبعيدة عن سيطرة النظام لتصبح قاعدة خلفية للحرب ضدّ النظام ومواجهته واستنزافه في دمشق والمدن الأخرى.

الأخطاء الداخلية واستدعاء القوى الخارجية

جراء الغباء الاستراتيجي للنظام السوري في تجييش الانتفاضة من ناحية القمع العسكري واستدعاء المواجهة المسلحة مع الثوار المدنيين الذين تعسكروا، وجراء تهالك النظام داخليا واختلال توازنه الاستراتيجي في مواجهة شعبه، استدعى المليشيات الإيرانية لتصبح سوريا ساحة صراع بين قوى يدعمها عربٌ وغرب وأتراك، وأخرى روسية إيرانية في المواجهة مع دول داعمة، وتعظم المأساة هنا في أن يتحول الصراع من داخلي إلى خارجي، ومن نظام يستدعي قوى خارجية لحمايته من ثورة شعبه رغم القمع والهمجية، فضلا عن قوى معارضة وجدت فيها القوى الخارجية فرصة لإسقاط النظام بأسباب مشروعة ودواعي جوهرية وخدمة أجنداتها المستقبلية في سوريا مثل الأمريكيين الذي أقاموا قواعد عسكرية وكيانا سياسيا في منطقة ما وراء الفرات للأكراد وسيطروا على الغاز والبترول والموارد فيهما، فضلا عن القواعد الروسية، والمناطق الإيرانية، والمواقع التركية وغيرها، وهو ما أدى -نتيجة تعنّت الأسد ورفضه للحلول السياسية- إلى إسقاطه بشكل تدريجي وإدراك حلفائه التقليديين أنَّ نظامه يقع تحت أجهزة الإنعاش ومن دونها لن يستمرّ، ما حدا بهم إلى تركه يسقط لأنه فقط الشرعية والشعبية والقدرة على الاستمرار وترميم الوضع، وترك سوريا لترمِّم وضعها بشكل طبيعي، فيما لايُستبعد أن هناك صفقة ما حدثت في الكواليس جعلت الأسد يتلقّى اتصالا من الكرملين بنزع أجهزة التنفُّس الاصطناعي عنه واللجوء إلى موسكو.

العقوبات وفقدان رأس المال البشري والمادي

إحدى أكبر الخسائر التي لحقت بسوريا كانت العقوبات مثل “قانون قيصر” الذي سلط عقوبات أمريكية قاسية على البلاد ساهمت في عزلتها الدولية والإقليمية، وانهيار الاقتصاد السوري من ناتج قومي إجمالي يساوي 67 مليار دولار من العملة الصعبة في 2010، إلى أقلمن 10 مليار دولار في 2023، مما جعل النظام يقوم بكل الأعمال غير المشروعة مثل تجارة المخدّرات “الكبتاغون”، فعدد سكان سوريا وصل إلى 27 مليون نسمة، بقي منهم تحت سلطة النظام 9.2 مليون نسمة فقط، فضلا عن تقلّص مساحة سيطرة النظام وفقدانه للموارد من بترول وغاز وضرائب، وأدى ذلك إلى انهيار الأسعار وتفشي التضخُّم وتقلص الأجور وضعف التجارة الداخلية والخارجية وتوقف المعامل أو تهجيرها وتعطل سلسلة الإنتاج وتوجيه المقدرات للمجهود الحربي، ما أدى إلى حدوث التفكك الاقتصادي وانهيار النظام المالي السوري وعجز الخدمات، وهو ما ساهم بشكل كبير في انهيار النظام جراء الفشل الداخلي في الحفاظ على النسيج الاقتصادي المهترئ أصلا نتيجة التوجه الاقتصادي الاشتراكي الديماغوجي.

دروس من انهيار آل حكم الأسد

تؤكد تجربة آل الأسد، سواء في عهد الأب أو الابن، أن النظام الاستبدادي قطعًا سيدمِّر الوطن، وأن فشل بشار الأسد في الفرصة الثانية لآل الأسد لتصحيح الأوضاع فشلت في معالجة المشاكل البنيوية التي ورثها من والده، وعوضا عن ذلك، اختار استخدام القمع العسكري لتثبيت حكمه، فكان الثمن تدميرا شاملا لبلاده وفرارا له ولأسرته وتركه لأعوانه وجنود جيشه الذين قاموا بمهام قذرة لحماية نظامه، لمصيرهم، ما يدل على ضعف تقدير وقصر نظر، وفشل ذريع.

مقالات ذات صلة