-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دعاتنا واستنساخ مجتمع المدينة الأول

حمزة يدوغي
  • 1602
  • 0
دعاتنا واستنساخ مجتمع المدينة الأول

لاشك أن كل إنسان غيور على دينه يبتهج عندما يلحظ المساحة الواسعة التي تحتلها البرامج الدينية في مختلف قنوات الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، سواء منها تلك المخصصة للإفتاء أو التي تتناول مختلف المجالات من منظور إسلامي، كقضايا الأسرة والعلاقات الاجتماعية عموما وقضايا العلم الفكر والثقافة التي يعج بها عالمنا المعاصر.

لكن الرصد الدقيق لهذا النشاط الديني أو لنقلالخطاب الديني  بمعناه العام، الحاضر بقوةكميا وأفقيايلحظ أنه لا يحظى بالقدر الكافي من اهتمام المختصين القادرين على بيان نقاط القوة والضعف فيه، وكذا درجة تطوره النوعي ومعرفة مدى تأثيره ومردوديته.. بمعنى أن هذا الخطاب الديني لايوازيهنشاط مماثل في مجال التقييم العلمي لمسيرته، يسترشد به ويستند إليه ويستنير بتوجيهاته ليحقق الانسجام المطلوب ـ شكلا ومضمونا ـ مع الواقع بمشكلاته ومتطلباته وأولوياته..فمن المفارقات المحزنة أن يقطع دعاة الباطل أشواطا بعيدة في ميادين الدعاية والاستمالة والتأثير، فيضعون المخططات المحكمة القائمة على مختلف العلوم والمعارف ويستحدثون فروعا من التخصصات الجديدة، بينما تظل أساليب بعض الدعاة إلى الحق تتعثر في أشكالها التقليدية.

حقا .. إن هناك كفاءات علمية معتبرة تنشط في هذا المجال، وهناك بحوث ودراسات توضع فيه وندوات وملتقيات تنظم للنهوض به، ولكنهبالرغم من ذلك كلهما يزال يعاني جملة من السلبيات، لعل أجدرها بالذكر هي الصورة المثالية التي يقدمها بعض الدعاة للمجتمع الإسلامي المنشود والانطلاق في الدعوة إلى تجسيد مواصفاته في واقعنا اليوم من صورة المجتمع المدني الأول زمن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، دونما تمييز واع بين ما هو من الثوابت والأسس التي لا يقوم مجتمع إسلامي إلا بها وعليها، أيا ما كان زمانه ومكانه، وبين ما هو خاص بتلك البيئة وتلك الظروف وذلك الزمان، وما هو خاص كذلك بأولئك الذين اختارهم سبحانه لصحبة نبيه الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولنصرته وحمل رسالته ونشرها في العالمين.

هؤلاء الدعاة ينطلقون دائما منالصفروكأن شيئا لم يتحقق بعد عصر الصحابة الكرام رضي الله عنهم، خلال أربعة عشر قرنا من تاريخ المسلمين.. بينما الحقيقة التي نعلمها جميعا أن الإسلام قادر دائما على أن يصنع القوة والعزة والكرامة والريادة في كل زمان ومكان متى توافر الإيمان القوي والإرادة الصادقة والهمة العالية وحسن التوكلبعد العزمعلى الله سبحانه.. لكن هذه الحقيقة الخالدة تكاد تشكل فيها هذه المثالية التي تدعو إلىاستنساخمجتمع المدينة الأول، وتجسيد قيم الإسلام ومبادئه وآدابه مثلما جسدها الصحابة الكرام رضي الله عنهم حقا.. إن الصحابة الكرام قدوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الاقتداء ليس معناهالمماثلة“.

إن المبشرين بالجنة من الصحابة، مثلا، لن يتكرر وجودهم إلى يوم الدين، والاقتداء بهم ليس معناهالطمعفي اللحاق بهم وبلوغ مكانتهم، فهؤلاء لو أنفق غيرهم من المسلمين مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ نصيف أحدهم، كما جاء في الحديث لكن بعض الدعاة اليوم تغيب عنهم هذه الحقيقة، فتراهم إذا تعرضوا في دروسهم ومواعظهم مثلا لقيمة العدل في الإسلام فإنهم لا يتجاوزون صورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو نائم تحت ظل شجرة، وانبهار رسول كسرى بذلك لأنه لم ير على رأسه حاجبا وحوله حراسا، وأكثر من ذلك، فهم ينكرون على الحكام المسلمين اليوم عدم اقتدائهم به، واتخاذهم حراسا يحمونهم في حلهم وترحالهم!

كذلك إذا تعرض هؤلاء الدعاة إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسهترك انطباعا في ذهن المستمع إليهم أنه مطالب بالتنازل عن نصف ماله لأخيه المحتاج، وعن إحدى زوجاته إن كان له أكثر من زوجةلأن هذا ما فعله الأنصار مع إخوانهم المهاجرين!.. إن هذا التصورالمثاليالذي يتخذ من سير الصحابة الكرام رضي الله عنهم نموذجا لما يجب أن يكون عليه سلوك المسلم اليوم من شأنه أنيوّلدفي النفس شعورا بالقصور الذاتي الذي لا أمل في التغلب عليه، ولعل هذا ما يفسر الاهتمام المتزايد اليوم بفقه العبادات على حساب فقه المعاملات كنوع من التعويض عن ذلك القصور، نلحظ ذلك مثلا في الحرص الشديد على معرفة حكم الشرع في مسائل تفصيلية، بعضها يوحي بأنها مجرد افتراض من السائلين، وكذا في اضطراب مفهوم محاسبة النفس وميزان الأجر والثواب، فهناك مثلا من يحرص على الصلاة في الصف الأول في المسجد لعلمه بما في ذلك من الأجر والثواب، ولا يرى حرجا في التغيّب عن عمله وتعطيل مصالح الناس الذين ينتظرونه! وكما طغى فقه العبادات على فقه المعاملات، كذلك طغى الاهتمام بمعاصي الجوارح على معاصي القلوب، فترى من يرضى عن نفسه لأنه أتى من النوافل ما شاء الله، ولا يخطر بباله أن الله سبحانه قد يفتح له باب الطاعة ولا يفتح له باب القبول!.

عندما نزل قوله تعالىوالذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعونقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أهو الزاني يزني والسارق يسرق والكاذب يكذب؟! فقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: لا يا عائشة، بل هو المصلي يصلي والصائم يصوم والمتصدق يتصدق ويخشى ألا يتقبل منه!.. إن الطابع الشكلي لمفهوم الأجر والثواب نجده كذلك في علاقة بعضنا بالقرآن الكريم، فهي لا تكاد تتجاوز التنويع في اقتناء الأشرطة المختلفة للمقرئين بنية الحصول على أجر الإستماع الذي يعادل أجر التلاوة كل حرف بعشر حسنات! رحم الله فضيلة الشيخ محمد الغزالي، فقد قيل له يوما: إن بعض قنوات إذاعة إسرائيل تبث أحيانا آيات من القرآن الكريم، فما هو الدافع إلى ذلك في نظرك؟! فقال:”هو إمعان من الإسرائيليين في التهكم بالمسلمين لأنهم يعلمون أن القرآن الكريم لا يتجاوز آذانهم!...

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • مواطن من عين صالح

    ليس مطلوبا منا استنساخ مجتمع المدينة فهم وسط بين البشر والملائكة كما انهم تربوا فى مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ولكن مطلوب منا ان نجعلهم قدوة فى معاملتنا الصادقة بعيدا عن الغش والنفاق والكذب والتضليل اى المطلوب هو الحد الادنى من الاستنساخ

  • Ali

    نعم الكثير من المسلمين يظنون أنه يكفي استنساخ ما قام به الجيل الأول و لا داعي للبحث عن حلول جديدة لمشاكلنا الجديدة. هذه النظرة اللا تاريخية للزمن و للحضارة و حتى للإنسان زرعناها بأنفسنا في ادمغة ابنائنا. كلنا درسنا التاريخ الإسلامي كتاريخ مثالي رغم ان المؤرخين المسلمين القدماء كابن خلدون و ابن الأثير و غيرهما لم تكن لديهم نظرة مثالية بل نقدية. كانوا يفرقون بين عمل خلفاء وسلاطين زمانهم وبين الاسلام. لنغير اذا نظرتنا للماضي بالتخلص من المثالية التي لا توجد في أي عمل انساني حتى عمل الرسول .

  • نورالدين الجزائري

    ما فُقد ! جامعات بأكملها متخصصة في علم الغابات ...
    لا خيار لنا إلا أن نفهم ما يريده منا ديننا علميا و أخلاقيا و الكلام فيه يطول .. ما هذه إلا رؤوس أقلام و نقاط .. إن المستقبل يهدد كل أمة تعيش الماضي و كسولة في الحاضر و منغلقة على المستقبل ... نحن بحاجة إلى هزة عنيفة في أدمغتنا لتصحينا من النوم العميق طال زمانه و دمر كل جميل في حاضره .. الفكر الحركة التأمل العقل الخشية من رب العالمين .. هذه بعض أدوات طلب المعرفة و هي ليست صعبة و لكن ...
    جاء الوقت الذي يجب علينا أن نفوت و إلا عنا الوقت يفوت !!

  • نورالدين الجزائري

    المحيط الأطلسي ليقول لنا : أنا آلة أبيّن لكم أن الأرض مستديرة و تتحرك لمستقر لها و ليس كما إدعى شيخنا ؟! ألا يقرأون القرآن هؤلاء ؟!! المصيبة في النفوس لا في النصوص و ليس العذر في الإستدمار و ما خلفه و اليد الأجنبية و تطاولها فأين هي عقولنا و أيدينا ؟ و سوف يصبح هذا العذر لا معنى له مستقبلا لماذا ؟ لأن الإنسانية ستكتشف ما يعوض البترول ... و المستقبل خطير جدا و لا يرحم ! فيه دراسات لحركة النمل في قريته لأخذ نظام جديد في سير السيارات .. دراسة لوضع مذكرة آلية في أدمغة البشر لتزداد الذاكر أو لتعويض

  • نورالدين الجزائري

    للتاريخ و التراث و هو بريء منا لأنه عاش زمانه و أفل ! فهو لا يحل مشكلاتنا و لا مصائبنا التي نحن منها أمة مهزوزة مهزومة ! و إذا بقينا على هذا الحال من التخذير و الخدعة الخطابية سوف تزداد سعة الفجوة بين المسلمين و غيرهم مسافات لا تطاق ! الله الله لا تشوفنا فيها !!!
    أمتنا تعيش الإنقلابات القهر الظلم التخلف القتل للنفس البريئة و كأنها لا شيء كل يوم يمر بحزنه و أساه ، مقابل علم تقدم في إكتشافه لأنواع الأضواء و لليزر و آلة الحاسوب التي تدير مصنع بأكمله إلى الرجل الآلي Robot co Pilot يسوق طائرة فـوق

  • نورالدين الجزائري

    عبد يقرأ القرآن بصقفه المعرفي الذي يعيشه فإنه سينسجم مع معاني الآيات مباشرة، و يفتح له رب العالمين أبواب المعرفة الواسعة..و إذا قرأه بالصقف المعرفي للقرن 2 للهجرة فإنه لن يجد منه إلا تراث بعيد عن حاضره، و لهذا السبب أن رسول الهدى عليه الصلاة و السلام لم يفسر القرآن، و هذه نقطة جد مهمة حيث في كل التفاسير لا يوجد فيها تفسيره بل فيها إجتهادات المفسيرين حسب طاقتهم و علمهم بزمانهم، فنحن نبتعد عن الرسول عليه الصلاة زمانا و لا شرعا !
    لا توجد أمة عندها هذا الهوس كالذي راكب أمتنا ! و الإلحــــاح للعودة

  • Ali

    كم نحن بحاجة الى نظرة نقدية لمفاهيمنا الدينية. و اولها ان ما في الحديث حقيقة ثابة الى الأبد لا نقاش فيها و ما قاله فلان الذي سمي بشيخ الإسلام لا نقاش فيه و ماجاء من السعودية يطبق حرفيا....
    ثم أن قصص عمر بن الخطاب التي يستشهد بها الأئمة ويحفظها العام والخاص على ظهر قلب لا معنى لها في بعض الحالات.
    مثلا عندما يقول عمر متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم امهاتهم احرارا. يفهم أئمتنا و معلنينا انه لا توجد عبودية في الإسلام. و هذا خطأ في الفهم. فعمر لم ينكر العبودية في الإسلام بل أقرها بطريق غير مباشر

  • نورالدين الجزائري

    فردي : الضوء و معنى جمع : أضواء . فالذي عاش في القرن 2 أو 7 هجري فسر الضياء بضوء الشمس و هذا صحيح ! و لكن الإنسانية عبر التاريخ قفزت مراحل مهولة في العلم إبتداءا من كشف المحراث / الفحم / الصناعة البخارية / الكهرباء إلى زمن الذرة / الإليكترون الليزر و أخيرا الهندسة البيولوجية و التحكم في الجينات.. يجب أن أفهم الضيّاء المذكور في الآية بــ: المعنى : الجمع ! يا الله سبحانك و ما خلقت ! من أشعة حمراء تحت الحمراء البنفسجية... و هذه تساعدنا في فهم قصد القرآن لزماننا هذا لإكتشافها و الإستفادة منها . وكـل

  • نورالدين الجزائري

    جائنا بمفتاح كنوز سندباد قائلا و أنا من ذكرها خاجلا: علينا أن نغزوا مرتين في السنة فتأتينا الجواري و الغنائم ... و لست بماذا يغزو هل بسيف من خشب ضد سلاح الليزر كما دمر العراق و ليبيا و ضرب مستشفى الخرطوم... و غيرها من الخرافات و كأن نماميس فوق الأشجار تخاطبنا . لا أقصد ما هو ثابت من القرآن من حلال و حرام لأنه شمولي و أبدي لا ! و لكن المرمى و المعنى المُلح و الواجب هو التحول و التطور في السقف المعارفي لكل عصر و ليتضح المقال يقول رب العالمين { هو الذي جعل الشمس ضياء .. } 5 يونس. كلمة ضياء لها معنى

  • نورالدين الجزائري

    مرآة ، ليترك أو يُلزِم السامعين أن يعبثوا بالحصى أو ينظرون من الحينة لأختها لساعة الزمان متى يقوم للصلاة !!!
    هذا الإعجاز الرهيب و المُعيب في إنتاج المعرفة جعل الزمان يتطور و يسبقنا بأميال و حضارات ، و أنا أعيش في القرن 21 يجب عليّ أن أقرأ القرآن و أفهمه و كأنه نزل على رسول الهدى البارحة ! و لتكن أرائنا معارضة للكثير من الناس فلتكن ! لأن الذي أعرفه من القرن الماضي أن أمتنا أنتجت لنا 3000 شاعر و لم تخرج لنا عالما 1 !
    منذ بضعة شهور قال أحد علماء الأمة : أن الأرض لا تدور بل لا تتحرك ؟! داعية أخر

  • جزائري

    يا استاذ بعد اذنك اهتديت هذه الايام الى مصطلح جديد استعمله عند كل نقاش مع من يسمون انفسهم ب"سلفية". المصطلح هو او بالاحرى التهمة التي ارميهم بها هي " التبعية الدينية الوهمية ", بحيث ان المسلمين معروف عنهم منذ بداية الاسلام انهم اتباع محمد بن عبد الله خاتم المرسلين في كل صغيرة وكبيرة مستدلين لذلك باثره وباثار صحابته الكرام وبالسلف الصالح عبر الزمان والمكان . ...لكن في وقتنا الحاظر , اختصر الخطاب الديني و خاصة عند فئة الشباب في هذه التبعية الدينية المقيتة لاشخاص لايتعدى مستواهم العلمي حفظ بعض ا

  • ابراهيم

    جزاك الله يا استاذ و الحقيقة المؤسفة اليوم المذاهب حلّت محل الإسلام فبدلت و أحدثت و قسّمت الأمة و اصبح التناقض بين الاسلام والمسلمين .
    في وقت الرسول ص كانوا دائما بين الخوف و الرجاء يصلي و يصوم و يتصدق ويخشى ألا يتقبل منه ولكن اليوم الكل يظن ان تاشيرة الجنة ضامنة مهما كان عمله بدون توبة و اصبح القتل و الزنا و مباح و الخلوذ في النار لليهود و النصارى فقط والله يقول ****قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ***