دعاتنا واستنساخ مجتمع المدينة الأول
لاشك أن كل إنسان غيور على دينه يبتهج عندما يلحظ المساحة الواسعة التي تحتلها البرامج الدينية في مختلف قنوات الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، سواء منها تلك المخصصة للإفتاء أو التي تتناول مختلف المجالات من منظور إسلامي، كقضايا الأسرة والعلاقات الاجتماعية عموما وقضايا العلم الفكر والثقافة التي يعج بها عالمنا المعاصر.
لكن الرصد الدقيق لهذا النشاط الديني أو لنقل“الخطاب الديني“ بمعناه العام، الحاضر بقوة “كميا وأفقيا“يلحظ أنه لا يحظى بالقدر الكافي من اهتمام المختصين القادرين على بيان نقاط القوة والضعف فيه، وكذا درجة تطوره النوعي ومعرفة مدى تأثيره ومردوديته.. بمعنى أن هذا الخطاب الديني لا “يوازيه” نشاط مماثل في مجال التقييم العلمي لمسيرته، يسترشد به ويستند إليه ويستنير بتوجيهاته ليحقق الانسجام المطلوب ـ شكلا ومضمونا ـ مع الواقع بمشكلاته ومتطلباته وأولوياته..فمن المفارقات المحزنة أن يقطع دعاة الباطل أشواطا بعيدة في ميادين الدعاية والاستمالة والتأثير، فيضعون المخططات المحكمة القائمة على مختلف العلوم والمعارف ويستحدثون فروعا من التخصصات الجديدة، بينما تظل أساليب بعض الدعاة إلى الحق تتعثر في أشكالها التقليدية.
حقا .. إن هناك كفاءات علمية معتبرة تنشط في هذا المجال، وهناك بحوث ودراسات توضع فيه وندوات وملتقيات تنظم للنهوض به، ولكنه – بالرغم من ذلك كله– ما يزال يعاني جملة من السلبيات، لعل أجدرها بالذكر هي الصورة المثالية التي يقدمها بعض الدعاة للمجتمع الإسلامي المنشود والانطلاق في الدعوة إلى تجسيد مواصفاته في واقعنا اليوم من صورة المجتمع المدني الأول زمن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، دونما تمييز واع بين ما هو من الثوابت والأسس التي لا يقوم مجتمع إسلامي إلا بها وعليها، أيا ما كان زمانه ومكانه، وبين ما هو خاص بتلك البيئة وتلك الظروف وذلك الزمان، وما هو خاص كذلك بأولئك الذين اختارهم سبحانه لصحبة نبيه الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولنصرته وحمل رسالته ونشرها في العالمين.
هؤلاء الدعاة ينطلقون دائما من “الصفر” وكأن شيئا لم يتحقق بعد عصر الصحابة الكرام رضي الله عنهم، خلال أربعة عشر قرنا من تاريخ المسلمين.. بينما الحقيقة التي نعلمها جميعا أن الإسلام قادر دائما على أن يصنع القوة والعزة والكرامة والريادة في كل زمان ومكان متى توافر الإيمان القوي والإرادة الصادقة والهمة العالية وحسن التوكل – بعد العزم– على الله سبحانه.. لكن هذه الحقيقة الخالدة تكاد تشكل فيها هذه المثالية التي تدعو إلى“استنساخ” مجتمع المدينة الأول، وتجسيد قيم الإسلام ومبادئه وآدابه مثلما جسدها الصحابة الكرام رضي الله عنهم حقا.. إن الصحابة الكرام قدوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الاقتداء ليس معناه“المماثلة“.
إن المبشرين بالجنة من الصحابة، مثلا، لن يتكرر وجودهم إلى يوم الدين، والاقتداء بهم ليس معناه “الطمع” في اللحاق بهم وبلوغ مكانتهم، فهؤلاء لو أنفق غيرهم من المسلمين مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ نصيف أحدهم، كما جاء في الحديث لكن بعض الدعاة اليوم تغيب عنهم هذه الحقيقة، فتراهم إذا تعرضوا في دروسهم ومواعظهم مثلا لقيمة العدل في الإسلام فإنهم لا يتجاوزون صورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو نائم تحت ظل شجرة، وانبهار رسول كسرى بذلك لأنه لم ير على رأسه حاجبا وحوله حراسا، وأكثر من ذلك، فهم ينكرون على الحكام المسلمين اليوم عدم اقتدائهم به، واتخاذهم حراسا يحمونهم في حلهم وترحالهم!
كذلك إذا تعرض هؤلاء الدعاة إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” ترك انطباعا في ذهن المستمع إليهم أنه مطالب بالتنازل عن نصف ماله لأخيه المحتاج، وعن إحدى زوجاته إن كان له أكثر من زوجة…لأن هذا ما فعله الأنصار مع إخوانهم المهاجرين!.. إن هذا التصور“المثالي” الذي يتخذ من سير الصحابة الكرام رضي الله عنهم نموذجا لما يجب أن يكون عليه سلوك المسلم اليوم من شأنه أن“يوّلد” في النفس شعورا بالقصور الذاتي الذي لا أمل في التغلب عليه، ولعل هذا ما يفسر الاهتمام المتزايد اليوم بفقه العبادات على حساب فقه المعاملات كنوع من التعويض عن ذلك القصور، نلحظ ذلك مثلا في الحرص الشديد على معرفة حكم الشرع في مسائل تفصيلية، بعضها يوحي بأنها مجرد افتراض من السائلين، وكذا في اضطراب مفهوم محاسبة النفس وميزان الأجر والثواب، فهناك مثلا من يحرص على الصلاة في الصف الأول في المسجد لعلمه بما في ذلك من الأجر والثواب، ولا يرى حرجا في التغيّب عن عمله وتعطيل مصالح الناس الذين ينتظرونه! وكما طغى فقه العبادات على فقه المعاملات، كذلك طغى الاهتمام بمعاصي الجوارح على معاصي القلوب، فترى من يرضى عن نفسه لأنه أتى من النوافل ما شاء الله، ولا يخطر بباله أن الله سبحانه قد يفتح له باب الطاعة ولا يفتح له باب القبول!.
عندما نزل قوله تعالى “والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون” قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أهو الزاني يزني والسارق يسرق والكاذب يكذب؟! فقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: لا يا عائشة، بل هو المصلي يصلي والصائم يصوم والمتصدق يتصدق ويخشى ألا يتقبل منه!.. إن الطابع الشكلي لمفهوم الأجر والثواب نجده كذلك في علاقة بعضنا بالقرآن الكريم، فهي لا تكاد تتجاوز التنويع في اقتناء الأشرطة المختلفة للمقرئين بنية الحصول على أجر الإستماع الذي يعادل أجر التلاوة كل حرف بعشر حسنات! رحم الله فضيلة الشيخ محمد الغزالي، فقد قيل له يوما: إن بعض قنوات إذاعة إسرائيل تبث أحيانا آيات من القرآن الكريم، فما هو الدافع إلى ذلك في نظرك؟! فقال:”هو إمعان من الإسرائيليين في التهكم بالمسلمين لأنهم يعلمون أن القرآن الكريم لا يتجاوز آذانهم!..“.