الرأي

دقّت ساعة الحقيقة؟!

محمد حمادي
  • 3857
  • 0

بعدما عمّ الفساد في البرّ والبحر، ونخر العديد من القطاعات الحساسة في البلاد، لم يعد الوضع يسمح بأي تردّد أو انتظار أو تسامح مع أولئك الفاسدين والمفسدين، الذين اغترفوا من المال العام، باسم الاستثمار الذي تبيّن في ما بعد أنه مجرّد وهم كبير، صنعه كثيرٌ ممّن يحملون صفة “رجل أعمال”؛ فقد آن الأوان لمحاسبة هؤلاء، وفق مقاييس عادلة تحتكم لقوانين الدولة، لا للمزاجية وتصفية الحسابات الشخصية.

دقت ساعة الحقيقة إذن، وقرع أجراسَها الوزير الأول عبد المجيد تبون، تحت شعار: “المال مال والدولة دولة”، معلنا قراراتٍ حاسمة الهدف منها التصدي للفساد الذي تغوّل وأصبح العدو رقم الواحد للجزائريين، بدليل حملة التأييد الشعبي التي انفجرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مظهرة حسّا ووعيا كبيرين بما يتربص بالوطن من مخاطر على أيدي بارونات الفساد الذين عاثوا في أموال الدولة نهبا، مستفيدين من الحماية التي يوفرها لهم بعض من شركائهم النافذين في دواليب تسيير شؤون الدولة، ولكن هيهات، دوام الحال من المحال، ولم يعد الوضع يحتمل أيّ لين أو تسامح مع هذه الممارسات، خاصة وأنّ الإجراءات الصارمة التي اتخذت ضد المتلاعبين بالمال العام، عبر صفقات ومشاريع مشبوهة، جاءت تطبيقا لبرنامج رئيس الجمهورية، وتنفيذا لقراراته وتوجيهاته، التي حملت تهديدا صريحا بمعاقبة كلّ من تسوّل له نفسه القفز على قوانين الدولة.

ما أوردته الصحافة الوطنية، بخصوص تثمين المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان والدفاع عن الحريات العامة، للإجراءات التي اتخذها تبون لتطهير الاقتصاد الوطني وحمايته من بارونات الفساد، يُظهر بما لا يدعو للشّك أنّ مكوِّنات المجتمع على اختلاف مستوياتها الثقافية ومشاربها الفكرية، باتت أكثر نضجا وتقف مع كل القرارات الحكومية التي تأتي بالنفع على البلاد والعباد.

ولكن هل ينفع التأييد الشعبي ما دام كل مسؤول يغضُّ الطرف عن ممارسات غير قانونية تحدث في قطاعه خوفا على منصبه؟ هل يكون للتأييد معنى إذا مارسنا المحاباة في محاربة الفساد؟ الحقيقة هي أنه لا يمكن معالجة معضلة الفساد بطريقة كرنفالية، والبدء في توزيع الاتهامات يُمنة وشمالا، وإلصاق تهمة الفساد بجميع رجال المال والأعمال ووضعهم في خانة واحدة قاتمة، دون أن تكون هنالك تحقيقاتٌ معمّقة، تقودها الأجهزة الأمنية والقضائية، وفق إجراءات مستوحاة من قوانين الجمهورية.

حكومة تبون تنتظرها تحديات كبيرة، وهي مطالبة بمواصلة المعركة التي بدأتها ضد بؤر الفساد ومعاقبة من يقفون وراءها، والذين سهَّلوا مهمة أصحابها، مع العمل على استرجاع الأموال التي نُهبت، واستحداث آليات أخرى لتنويع مصادر الدخل الوطني، وتشجيع المنتوج المحلي وتطويره، لتقليص فاتورة الاستيراد التي أنهكت خزينة الدولة.

وباختصار فإن عقلية “عفا الله عما سلف” لم تعد تجدي نفعا أمام استشراء الفساد بكل أشكاله وصوره في جميع القطاعات، وأصبح الضرب بيدٍ من حديد، السبيل الوحيد لاسترجاع هيبة الدولة، والتصدي لكل الأساليب “المافياوية” التي أضرّت كثيرا بالاقتصاد الوطني، وقضت على الحكم الراشد، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق مواجهة هؤلاء المفسدين بالبيّنة، والدلائل القطعية التي تجعلهم تحت طائلة الاتهام، وتقدِّمهم إلى العدالة لمحاكمتهم محاكمة عادلة.

مقالات ذات صلة